[فصل في حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع بعد مقدمه من تبوك]
vol. 5 · p. 9
البخاري: " «وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم "، فقالوا: أمر لم نشهده ولم نره، فقال: " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين "، فقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده» .
وفي لفظ: ( «ويقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته إليه» ) ، واختلف لفظ الأحاديث الصحيحة في محل الدية، ففي بعضها أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده، وفي بعضها وداه من إبل الصدقة.
وفي " سنن أبي داود ": أنه صلى الله عليه وسلم «ألقى ديته على اليهود، لأنه وجد بينهم» .
وفي " مصنف عبد الرزاق ": «أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود، فأبوا أن يحلفوا، فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا فجعل عقله على يهود» .
وفي " سنن النسائي ": فجعل عقله على اليهود، وأعانهم ببعضها، وقد تضمنت هذه الحكومة أمورا:
منها: الحكم بالقسامة، وأنها من دين الله وشرعه.
vol. 5 · p. 10
ومنها: القتل بها لقوله: ( «فيدفع برمته إليه» ) ، وقوله في لفظ آخر ( «وتستحقون دم صاحبكم» ) فظاهر القرآن والسنة القتل بأيمان الزوج الملاعن وأيمان الأولياء في القسامة، وهو مذهب أهل المدينة. وأما أهل العراق، فلا يقتلون في واحد منهما، وأحمد يقتل في القسامة دون اللعان، والشافعي عكسه.
ومنها: أنه يبدأ بأيمان المدعين في القسامة بخلاف غيرها من الدعاوى.
ومنها: أن أهل الذمة إذا منعوا حقا عليهم، انتقض عهدهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إما أن تدوه، وإما أن تأذنوا بحرب» .
ومنها: أن المدعى عليه إذا بعد عن مجلس الحكم، كتب إليه، ولم يشخصه.
ومنها: جواز العمل والحكم بكتاب القاضي وإن لم يشهد عليه.
ومنها: القضاء على الغائب.
ومنها: أنه لا يكتفى في القسامة بأقل من خمسين إذا وجدوا.
ومنها: الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين.
ومنها: - وهو الذي أشكل على كثير من الناس - إعطاؤه الدية من إبل الصدقة، وقد ظن بعض الناس أن ذلك من سهم الغارمين، وهذا لا يصح، فإن غارم أهل الذمة لا يعطى من الزكاة، وظن بعضهم أن ذلك مما فضل من الصدقة عن أهلها، فللإمام أن يصرفه في المصالح، وهذا أقرب من الأول، وأقرب منه: أنه صلى الله عليه وسلم وداه من عنده، واقترض الدية من إبل الصدقة، ويدل عليه: " فوداه من عنده " وأقرب من هذا كله أن يقال: لما تحملها النبي صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين بين الطائفتين، كان حكمها حكم القضاء على الغارم لما غرمه لإصلاح ذات البين، ولعل هذا مراد من قال: إنه قضاها من سهم الغارمين، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها