Skip to content

Books to be read, not browsed

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء] — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 1,050 of 2,628.

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في أذكار الوضوء]

vol. 3 · p. 143

والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان.

وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] [التوبة: 2] وهي الحرم المذكورة في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] [التوبة: 5] فالحرم هاهنا: هي أشهر التسيير، أولها يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36] [التوبة: 36] فإن تلك واحد فرد، وثلاثة سرد: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ولم يسير المشركين في هذه الأربعة، فإن هذا لا يمكن لأنها غير متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر ثم

vol. 3 · p. 144

أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له، أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.

فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.

وأما سيرته في المنافقين، فإنه أمر أن يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمره أن يعرض عنهم، ويغلظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يصلي عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم، فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين.

فصل

وأما سيرته في أوليائه وحزبه، فأمره أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وألا تعدو عيناه عنهم، وأمره أن يعفو عنهم، ويستغفر لهم، ويشاورهم في الأمر، وأن يصلي عليهم.

وأمره بهجر من عصاه وتخلف عنه حتى يتوب، ويراجع طاعته، كما هجر الثلاثة الذين خلفوا.

وأمره أن يقيم الحدود على من أتى موجباتها منهم، وأن يكونوا عنده في ذلك سواء شريفهم ودنيئهم.

وأمره في دفع عدوه من شياطين الإنس، بأن يدفع بالتي هي أحسن، فيقابل إساءة من أساء إليه بالإحسان، وجهله بالحلم، وظلمه بالعفو، وقطيعته بالصلة، وأخبره أنه إن فعل ذلك عاد عدوه كأنه ولي حميم.

وأمره في دفعه عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة بالله منهم، وجمع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع من القرآن: في (سورة الأعراف) و (المؤمنون)

Publ. Mu'assasat al-Risala, Beirut — Maktabat al-Manar al-Islamiyya, Kuwait · 27th edition, 1415 AH / 1994 CE