1607
وإذا الحسن بن الحكم الحيري الكوفي، قد حدثنا، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، قال: " كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قال: وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أجرأ على ذلك منا قال: فجاء رجل، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم أنك تزعم أن الله عز وجل أرسلك قال: صدق قال: وزعم أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال: صدق قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: صدق
قال: فبالذي أرسلك، آلله أمر بهذا؟ قال: نعم قال: فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا، ولا أنقص منهن شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله لئن صدق ليدخلن الجنة "
1608
وإذا يوسف بن يزيد، قد حدثنا، قال: حدثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق، قال: حدثنا مبارك بن سعيد النوري، قال: حدثنا سعيد بن مسروق، عن أيوب يعني: ابن عبد الله بن مكرر، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله، ما العمل الذي يدخلني الجنة، وينجيني من النار؟ فقال: " لقد سألت عظيما، وإنه ليسير: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان " فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر في هذه الآثار بفرائض الإسلام التي بني عليها، ولم يذكر في ذلك العمرة، فدل ذلك أنها ليست فريضة كفرض الحج المذكور على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصلاة، ومع صوم رمضان، ومع ما ذكره في هذه الآثار التي ذكر فيها ما بني الإسلام عليه، وما إذا أتى به الرجل، وقصر عما سواه، لم يمنعه ذلك من أن يكون قد أتى بما عليه من الفرائض، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال للرجل في حديث أنس بن مالك الذي روينا: " لئن صدق ليدخلن الجنة " فهذا حكم العمرة من طريق الآثار، وليس فيما ذكرناه أيضا من قول زيد بن ثابت: " نسكان أو صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت "، يريدها ويريد الحج، ما يدل على
وجوبها عنده، لأنه لم يقل: نسكان واجبان، ولا: صلاتان واجبتان فإن قال قائل: فما معنى قوله: " نسكان "؟ قيل له: قد يكون النسك تطوعا، وقد يكون فريضة، فأما ما يكون تطوعا فما نسكه الناس مما يتقربون به إلى ربهم عز وجل من الهدي بالتطوع، ومما سوى ذلك فإن قال: فقد قرن بينهما، قال: الحج والعمرة نسكان أو صلاتان، فدل ذلك على استواء حكمهما كان عنده؟
قيل له: ما في ذلك دليل على استواء حكمهما كان عنده، لأن الشيء قد يقرن بالشيء وحكمهما مختلف قال الله عز وجل ثناؤه: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ، والرفث يفسد الحج، والجدال لا يفسده، فقرن بين هذه الأشياء على اختلاف أحكامها في أنفسها والفرائض فإنما تعلم بالتوقيف عليها، فلما لم يقف على فرض الله عز وجل العمرة على عباده لم يجعلها فريضة عليهم فقال قائل: القياس يوجب أنها فريضة قال: وذلك أنا لم نر شيئا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض، من ذلك الحج، يتطوع به، وله أصل في الفرض، ومن ذلك الصلاة، يتطوع بها، ولها أصل في الفرض، ومن ذلك الصدقة، يتطوع بها، ولها أصل في الفرض، ومن ذلك الصيام، يتطوع به، وله أصل في الفرض قال: فعقلنا بذلك أن العمرة لما كانت يتطوع بها لم يكن ذلك إلا ولها أصل في الفرض فقيل لقائل هذا القول:
فقد رأينا الاعتكاف يتطوع به، ولا أصل له في الفرض، ففسد بذلك عليه ما احتج به وكان الذي جاء به مما ذكرناه عنه مقلوبا، وإنما هو ما يتطوع به كالصلاة وكالصدقة وكالحج، فهذا الذي ذكرنا لا شيء فيه يوجب فرض العمرة وممن كان يذهب إلى أن العمرة من التطوع الذي لا ينبغي تركه، أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأما الشافعي فقد كان يذهب إلى أنها واجبة وأما كيفية العمرة فإنه لا يصح أن يحرم بها من أرادها من الحرم، وإنما يصلح له أن يحرم بها من الحل، والأصل في ذلك ما قد رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره عبد الرحمن بن أبي بكر بإخراج عائشة إلى التنعيم ليعمرها منه