(تبلو) :
vol. 2 · p. 371
(ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام) ، أي ما جعلنا
الرسل أجسادا غير طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس.
ولا يأكلون الطعام صفة لجسد.
وفي الآية رد على قولهم: (مال هذا الرسول يأكل الطعام) .
(من نشاء) : يعني المؤمنين.
(ما أرسلنا ... ) . الأنبياء: 25، الآية رد على المشركين.
والمعنى أن كل رسول إنما أتى بلا إله إلا الله، فكلمتهم واحدة، وفيها تصديق للحديث: "الأنبياء أولاد علات أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة".
(متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) :
مرادهم القيامة أو نزول العذاب بهم.
(من فعل هذا) :
هذا من قول قوم إبراهيم، وقبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة فقالوا: من فعل هذا.
(ما هؤلاء ينطقون) :
لما رجعوا إلى أنفسهم بالفكرة والنظر، قالوا لإبراهيم: لقد علمت عدم نطقهم، فكيف تأمرنا بسؤالهم، فقد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم، فهذا غاية الضلال في فعلهم، وغاية المعاندة والمكابرة في جدالهم.
هذا من كلام في الله أيوب حين سلط الله عليه البلاء، فخاف على ذهاب قلبه، إذ هو موضع المعرفة.
فإن قلت: قد وصفه الله بالصبر في قوله تعالى: (إنا وجدناه صابرا) ، وقرنه بنون العظمة فما بال قوله: (مسني الضر) ؟
فالجواب أن قوله: (مسني) ليس تصريحا بالدعاء، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطف مما ليس في التصريح بالطلب.
vol. 2 · p. 372
وقيل غير هذا من الجواب أعرضنا عنه لطوله.
وفي الآية إشارة إلى الرجوع إلى الله في رفع المحن والشدائد، ولذا طلب
موسى لغيره (جذوة لعلهم يصطلون) ، فأوصله الله بالوادي القدس، وطلب الخضر لغيره فأوصله الله لعين الحياة، فلا تنس أيها الناظر في هذا الكتاب الدعاء لموصله إليك من غير كلفة، ولك مثله، كما ورد في الحديث، وأسأله سبحانه أن يفرج عنا كرب الآخرة، إذ لا يفرجها غيره سبحانه، وتأمل إلى نداء أيوب ربه بما يوافق حاله ويقتضيه مقامه وهو الرحمة، فاستجاب له ورحمه.
روي أن الله أنبع له عينا من ماء، وأمره بالشرب منها، فبرئ باطنه
واغتسل منها فبرئ ظاهره، ورد إلى أكمل جماله، وأتي بأحسن الثياب.
وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها، فلم تره في موضعه الذي تركته فيه.
فجزعت وظنت أنه نقل منه، وجعلت تتوله، فقال لها: ما شأنك أيتها المرأة
فهابته لحسن هيئته وجمال منظره، وقالت: فقدت مريضا كان لي هنا، ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملت إلى مقاله فعرفته، وقالت: أنت أيوب! قال: نعم، واعتنقها وبكى، ولم يفارقها حتى أراه الله جميع ماله حاضرا بين يديه بعدما فقده.
وروي أن امرأته ولدت بعد ستة وعشرين ابنا، وإلى هذه الإشارة بقوله
تعالى: (وآتينا أهله ومثلهم رحمة من عندنا) .
وإنما وصف الرحمة بالعندية في هذه الآية لأنه بالغ في التضرع والدعاء، فقابله سبحانه بالمبالغة، لأن لفظ " عندنا " حيث جاء يدل على أنه سبحانه يتولى ذلك من غير واسطة.
ولما بدأ القصة في (ص) بقوله تعالى: (واذكر عبدنا) ، ختم
بقوله: (منا) ، ليكون آخر الآية مطابقا لأول الآية.
(ما هم بسكارى) :
نفي لحقيقة السكر، وقرئ سكرى، والمعنى متفق.