(مجراها ومرساها) :
vol. 3 · p. 471
وأما: (فريقا هدى) الآية.
فالفريق مذكر، ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء، وقوله: (حق عليهم الضلالة) في معناه، فجاء بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يدعوا حكم اللفظ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مرتبة كلمة لا يجب لها ذلك الحكم.
اعلم أن لكل منهما مقاما لا يليق بالآخر.
أما التنكير فله أسباب:
أحدها: إرادة الوحدة، نحو: (وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى) ، أي رجل واحد.
و (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل) .
الثاني: إرادة النوع، نحو: (هذا ذكر) ، أي نوع من الذكر.
(وعلى أبصارهم غشاوة) ، أى نوع غريب من الغشاوة لا يتعارفه
الناس، بحيث غطى ما لا يغطيه شيء من الغشاوات.
(ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) ، أي نوع منها، وهو الازدياد في المستقبل، لأن الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر.
ويحتمل الوحدة والنوعية معا قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء) ، أي كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء، وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف.
الثالث: التعظيم، بمعنى أنه أعظم من أن يعين ويعرف، نحو: (فأذنوا
بحرب من الله) ، (ولهم عذاب أليم) .
(وسلام عليه يوم ولد) .
(سلام على إبراهيم) .
(أن لهم جنات) .
(متكئا) :
vol. 3 · p. 472
الرابع: التكثير، نحو: (أئن لنا لأجرا) ، أى وافرا جزيلا.
ويحتمل التعظيم والتكثير معا: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ، أي رسل عظام ذوو عدد كثير.
الخامس: التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حد لا يمكن أن يعرف، نحو:
(إن نظن إلا ظنا) ، أي ظنا حقيرا لا يعبأ به، وإلا اتبعوه.
لأن ذلك ديدنهم، بدليل: (إن يتبعون إلا الظن) .
(من أي شيء خلقه) ، أي من شيء حقير مهين، ثم بينه بقوله: (من
نطفة خلقه) .
السادس: التقليل، نحو (ورضوان من الله أكبر) ، أى رضوان قليل منه أكبر من الجنات، لأنه رأس كل سعادة:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
وجعل منه الزمخشري: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) ، أي بعض ليل.
وأورد عليه أن التقليل رد الجنس إلى فرد من أفراده، لا تنقيص فرد إلى
جزء من أجزائه.
وأجاب في عروس الأفراح بأنا لا نسلم أن الليل حقيقة في جميع الليلة، بل كل جزء من أجزائها يسمى ليلا.
وعد السكاكي من الأسباب ألا يعرف من حقيقته إلا ذلك، وجعل منه أن
تقصد التجاهل وأنك لا تعرف شخصه، كقوله: هل لكم في حيوان على صورة إنسان يعمل كذا، وعليه من تجاهل الكفار: (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد) ، كأنهم لا يعرفونه.
وعد غيره منها قصد العموم بأن كانت في سياق النفي، نحو: (لا ريب
فيه) .
(فلا رفث) . الآية.