الوجه السادس من وجوه إعجازه (مشتبهات آياته)
vol. 1 · p. 116
وقال الأشعري: الظرف متعلق بيعلم، أي عالم بما في السماوات والأرض.
ومن ذلك قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) .
أي نقصد جزاءكم.
قال ابن اللبان: ليس من المتشابه قوله تعالى: (إن بطش ربك لشديد (12)
لأنه فسره بعده بقوله: (إنه هو يبدئ ويعيد (13) .
تنبيها على أن بطشه عبارة عن تصرفه في بدئه وإعادته، وجميع تصرفاته في مخلوقاته.
ومن المتشابه أوائل السور.
والمختار فيها أنها أيضا من الأسرار التي انفرد الله بعلمها.
وقد كثرت الأقوال فيها، ومرجعها كلها إلى قول واحد، وهو أنها
حروف مقطعة، كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى.
والاكتفاء ببعض الكلمة معهود من العربية، قال الشاعر:
قلت قفي فقالت قاف
أي وقفت.
وقال:
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
قالوا جميعا كلهم ألا فا
أراد ألا تركبوا ألا فاركبوا.
وهذا القول اختاره الزجاج.
وقال: العرب تنطق بالحرف الواحد تدل على الكلمة التي هو منها.
وقيل: إنها الاسم الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها، وكذا نقله ابن
عطية.
وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن مسعود، قال: هو اسم الله الأعظم.
قال السهيلي: لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر
للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة.
قال ابن حجر: وهذا باطل لا يعتمد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس الزجر
vol. 1 · p. 117
عن عد " أبي جاد " والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة.
وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في فوائد رحلته: ومن الباطل علم
الحروف المقطعة في أوائل السور.
وقد تحصل لي فيها عشرون قولا، وأزيد، ولا أعرف واحدا يحكم عليها بعلم، ولا يصل فيها إلى فهم.
والذي أقول إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا متداولا بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
بل تلا عليهم حم فصلت وص وغيرهما فلم ينكروا ذلك، بل
صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة، فدل على أنه كان أمرا معروفا عندهم لا إنكار فيه.
وقيل: هي تنبيهات كما في النداء - عده ابن عطية مغايرا للقول بأنها فواتح.
والظاهر أنه معناه.
قال أبو عبيدة: الم افتتاح كلام.
وقال الحوفي: القول بأنها تنبيهات جيد، لأن القرآن كلام عزيز وفوائده غزيرة، فيريد أن يرد على سمع متنبه، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كون النبي - صلى الله عليه وسلم - في عالم البشر مشغولا، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله الم، والر، وحم، ليسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت جبريل، فيقبل عليه ويصغي إليه، وإنما لم يستعمل
الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما، لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتي فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد ليكون أبلغ في قرع سمعه.
وقيل: إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، فأنزل الله هذا النظم
البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سببا لاستماعهم، واستماعهم له سبب لاستماع ما بعده، فترق القلوب وتلين الأفئدة.
عد هذا جماعة قولا مستقلا.
والظاهر خلافه، وإنما يصلح هذا مناسبة
لبعض الأقوال لا قولا في معناه، إذ ليس فيه بيان معنى.
وقيل: إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف: