سورة النساء
vol. 1 · p. 85
أقول: مناسبة وضع هذه السورة عقب سورة الأنعام فيما ألهمني الله سبحانه: أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، وقال فيها: {هو الذي خلقكم من طين} "الأنعام: 2"، وقال في بيان القرون: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} "الأنعام: 6"، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة على وجه الإجمال لا التفصيل، ذكرت هذه السورة عقبها؛ لأنها مشتملة على شرح الأمور الثلاثة وتفصيلها.
فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط؛ بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيها1، وذلك تفصيل إجمال قوله: {خلقكم من طين} "الأنعام: 2"، ثم فصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية إهلاكهم2 تفصيلا تاما شافيا مستوعبا، لم يقع نظيره في سورة غيرها3، وذلك بسط حال القرون المهلكة ورسلهم، فكانت هذه السورة شرحا لتلك الآيات الثلاث.
وأيضا فذلك تفصيل قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} "الأنعام: 6"؛ ولهذا صدر هذه السورة بخلق آدم الذي جعله الله في الأرض خليفة4. وقال في قصة عاد: {جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} "69"
سورة المائدة
vol. 1 · p. 86
وفي قصة ثمود: {جعلكم خلفاء من بعد عاد} "74".
وأيضا فقد قال في الأنعام: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} "الأنعام: 54" وهو موجز، وبسطه هنا بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} "156" إلى آخره، فبين من كتبها لهم.
وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأنعام فهو: أنه قد تقدم هناك: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} "الأنعام: 153"، وقوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه} "الأنعام: 155"، فافتتح هذه السورة أيضا [بالأمر] 1 باتباع الكتاب في قوله: {كتاب أنزل إليك} إلى [قوله] 1 {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} "2، 3".
وأيضا لما تقدم في الأنعام: {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} "الأنعام: 159"، {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} "الأنعام: 164"، قال في مفتتح هذه السورة: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم} "6، 7"، وذلك شرح التنبئة المذكورة.
وأيضا فلما قال في الأنعام: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} "الأنعام: 160" الآية، وذلك لا يظهر إلا في الميزان، افتتح هذة السورة بذكر الوزن، فقال: {والوزن يومئذ الحق} "8". ثم ذكر من ثقلت موازينه، وهو من زادت حسناته على سيئاته، ثم من خفت موازينه، وهو من زادت سيئاته على حسناته، ثم ذكر بعد ذلك أصحاب الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم2.