سورة البقرة
vol. 1 · p. 64
ومنها: أنه قال في البقرة: {وأتموا الحج} "البقرة: 196"، وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالا، وفصله هنا بقوله: {ولله على الناس حج البيت} "97". وزاد: بيان شرط الوجوب بقوله: {من استطاع إليه سبيلا} "97". ثم زاد: تكفير من جحد وجوبه بقوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} "97".
ومنها: أنه قال في البقرة في أهل الكتاب: {ثم توليتم إلا قليلا منكم} "البقرة: 83". فأجمل القليل، وفصله هنا بقوله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} "113، 114" الآيتين.
ومنها: أنه قال في البقرة: {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون} "البقرة: 139". فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضا لا تصريحا، وكذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} "البقرة: 143" في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام، وأتى في هذه [السورة] 1 بصريح البيان فقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} "110". فقوله: {كنتم} أصرح في قدم ذلك من {جعلناكم} ثم زاد [بيان] وجه الخيرية بقوله: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} "110"2.
vol. 1 · p. 65
ومنها: أنه قال في البقرة: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام} "البقرة: 188" الآية. وبسط الوعيد هنا بقوله: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} "77" الآية، وصدره بقوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} "75".
فهذه عدة مواضع وقعت في البقرة مجملة، وفي آل عمران تفصيلها.
الوجه الثاني: أن بين هذه السورة وسورة البقرة اتحادا وتلاحما متأكدا؛ لما تقدم من أن البقرة بمنزلة إزالة الشبهة؛ ولهذا تكرر هنا ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب: من إنزال الكتاب، وتصديقه للكتب قبله، والهدى إلى الصراط المستقيم1. وتكررت هنا آية: {قولوا آمنا بالله وما أنزل} "البقرة: 136" بكمالها؛ ولذلك أيضا ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك، أو لازم في تلك، أو لازم له.
فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام2، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده3، وألطف من ذلك: أنه افتتح البقرة بقصة آدم؛ حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر