سورة الصفافات
vol. 1 · p. 141
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون، وهذه ذكر فيها أضدادهم، وهم المنافقون؛ ولهذا أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة يحرض بها المؤمنين، وبسورة المنافقين يفزع بها المنافقين1.
وتمام المناسبة: أن السورة التي بعدها فيها ذكر المشركين، والسورة التي قبل الجمعة فيها ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى2، والتي قبلها وهي الممتحنة فيها ذكر المعاهدين من المشركين3، والتي قبلها وهي الحشر فيها المعاهدين من أهل الكتاب4؛ فإنها نزلت في بني النضير حين نبذوا العهد وقوتلوا.
وبذلك اتضحت المناسبة في ترتيب هذه السور الست هكذا؛ لاشتمالها على أصناف الأمم، وفي الفصل بين المسبحات بغيرها5؛ لأن إيلاء سورة المعاهدين من أهل الكتاب بسورة المعاهدين من المشركين أنسب من ترك ذلك6، وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره.
فظهر بذلك أن الفصل بين المسبحات التي هي نظائر لحكمة دقيقة من لدن حكيم خبير، فلله الحمد على ما فهم وألهم.
هذا وقد ورد عن ابن عباس في ترتيب النزول: أن
نزلت عقب الجمعة7، وتقدم نزول سورة "المنافقون" فما فصل بينهما إلا لحكمة، والله أعلم.
سورة ص
vol. 1 · p. 142
أقول: لما وقع في آخر سورة المنافقون: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت} "المنافقون: 10" الآية، عقب بسورة التغابن؛ لأنه قيل في معناه: إن الإنسان يأتي يوم القيامة، وقد جمع مالا، ولم يعمل فيه خيرا، فأخذه وارثه بسهولة، من غير مشقة في جمعه، فأنفقه في وجوه الخير، فالجامع محاسب معذب مع تعبه في جمعه، والوارث منعم مثاب، مع سهولة وصوله إليه، وذلك هو التغابن1.
فارتباطه بآخر السورة المذكورة في غاية الوضوح؛ ولهذا قال هنا: {وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} "16".
وأيضا ففي آخر تلك: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} "المنافقون: 9"، وفي هذه: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} "15"، وهذه الجملة كالتعليل لتلك الجملة؛ ولذا ذكرت على ترتيبها2.
وقال بعضهم: لما كانت سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة، أشير فيها إلى وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} "المنافقون: 11"، وأنه3 مات على رأس ثلاث وستين سنة، وعقبها بالتغابن؛ ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم4.