سورة القصص
vol. 1 · p. 132
[أقول:] 1 لا يخفى تآخي هاتين السورتين [الفتح والحجرات] مع ما قبلهما؛ لكونهما مدنيتين، ومشتملتين على أحكام، فتلك فيها قتال الكفار، وهذه فيها قتال البغاة2، وتلك ختمت بالذين آمنوا، وهذه افتتحت بالذين آمنوا3، وتلك تضمنت تشريفا له صلى الله عليه وسلم خصوصا مطلعها، وهذه أيضا في مطلعها أنواع من التشريف له صلى الله عليه وسلم4.
أقول: لما ختمت "ق" بذكر البعث، واشتملت على ذكر الجزاء، والجنة، والنار، وغير ذلك من أحوال القيامة، افتتح هذه السورة بالإقسام على أن ما توعدون من ذلك لصادق1، وأن الدين -وهو الجزاء- لواقع.
ونظير ذلك: افتتاح المرسلات بذلك، بعد ذكر الوعد والوعيد والجزاء في سورة الإنسان2.
سورة العنكبوت
vol. 1 · p. 133
أقول: وجه وضعها بعد الذاريات: تشابههما في المطلع والمقطع؛ فإن في مطلع كل منهما صفة حال المتقين بقوله: {إن المتقين في جنات} "الذاريات: 15، الطور: 17" الآيات، وفي مقطع كل منهما صفة حال الكفار، بقوله في تلك: {فويل للذين كفروا} "الذرايات:60"، وفي هذه: {فالذين كفروا} "42"1.
أقول: وجه وضعها بعد الطور: أنها شديدة المناسبة لها؛ فإن الطور ختمت بقوله: {وإدبار النجوم} "الطور: 49"، وافتتحت هذه بقوله: {والنجم إذا هوى} "1".
ووجه آخر: [وهو] 2 أن الطور ذكر فيها ذرية المؤمنين، وأنهم تبع لآبائهم3، وهذه فيها ذكر ذرية اليهود4 في قوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض [وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} "32" الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم، وبن المنذر، والواحدي بأسانيدهم عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال: كانت اليهود تقول: إذا هلك صبي صغير هو: صديق، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: $"كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد"، وأنزل الله عند ذلك {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} الآية] 5.
ولما قال هناك في المؤمنين: {ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} "الطور: 21" أي: ما نقصنا الآباء بما أعطينا البنين، مع نفعهم بما عمل آباؤهم، قال هنا في صفة الكفار أو بني الكفار: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} "39" خلاف ما ذكر في المؤمنين الصغار.
وهذا وجه بين بديع في المناسبة، من وادي التضاد.