سورة النساء
vol. 2 · p. 5
بالتشديد، فالأصل تتساءلون. وأدغمت التاء في السين لقرب مكان هذه
من هذه. ومن قرأ بالتخفيف فالأصل تتساءلون، إلا أن التاء الثانية حذفت
لاجتماع التاءين، وذلك يستثقل في اللفظ فوقع الحذف استخفافا، لأن الكلام غير ملبس.
ومعنى (تساءلون به) تطلبون حقوقكم به.
(والأرحام)
القراءة الجيدة نصب الأرحام. المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فأما
الجر في الأرحام فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر (1)، وخطأ أيضا
في أمر الدين عظيم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
" لا تحلفوا بآبائكم ".
فكيف يكون تساءلون به وبالرحم على ذا؟.
رأيت أبا إسحاق إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله
أمر عظيم، وأن ذلك خاص لله - عز وجل - على ما أتت به الرواية.
فأما العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم
مضمر في حال الجر إلا بإظهار الجار، يستقبح النحويون: مررت به وزيد.
وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض حتى يقولوا بك وبزيد، فقال بعضهم:
لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل، فكأنه كالتنوين في الاسم، فقبح أن
يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. وقد فسر المازي هذا تفسيرا مقنعا فقال: الثاني في العطف شريك للأول، فإن كان الأول يصلح شريكا
vol. 2 · p. 6
للثاني وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له.
قال: فكما لا تقول مررت بزيد و " ك " فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد.
وقد جاز ذلك في الشعر.
أنشد سيبويه:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا. . . فاذهب فما بك والأيام من عجب
* * *
وقوله: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2)
أي أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى - بعد
أن يؤنس منهم الرشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي - صلى الله عليه وسلم - يتيم أبي طالب.
وقوله - عز وجل -: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب)
الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال
اليتيم بدلا من مالكم، وكذلك لا تأكلوا (أيضا) (أموالهم إلى أموالكم).
أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها
فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم.
(إنه كان حوبا كبيرا)