سورة آل عمران
vol. 1 · p. 494
وهم لم يكونوا تولوا القتل، ولكن رضوا بقتل أولئك الأنبياء فشركوهم في
القتل.
* * *
وقوله عز وجل: (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير (184)
الزبر: جمع زبور والزبور كل كتاب ذو حكمة.
ويقال زبرت إذا كتبت. وزبرت إذا قرأت.
* * *
وقوله عز وجل: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185)
(وإنما توفون أجوركم يوم القيامة).
ولا يجوز "أجوركم" على رفع الأجور وجعل ما في معنى الذي، لأن يوم
القيامة يصير من صلة (توفون)، وتوفون من صلة (ما) فلا يأتي (ما) في الصلة بعد (أجوركم) و (أجوركم) خبر.
وقوله عز وجل ": (فمن زحزح عن النار).
أي نحي وأزيل (فقد فاز) يقال لكل من نجا من هلكة وكل من لقي ما
يغبط به: قد فاز، وتأويله تباعد من المكروه ولقي ما يحب
ومعنى قول الناس مفازة إنما هي من مهلكة، ولكنهم تفاءلوا بأن سموا
المهلكة مفازة.
والمفازة المنجاة، كما تفاءلوا بأن سموا اللديغ السليم، وكما سموا
الأعمى بالبصير.
* * *
وقوله عز وجل: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186)
معناه: لتختبرن أي تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره، وهذه
vol. 1 · p. 495
النون دخلت مؤكدة مع لام القسم وضمت الواو لسكونها وسكون النون. ويقال للواحد من المذكرين: لتبلين يا رجل، وللاثنين لتبليان يا رجلان، ولجماعة الرجال: لتبلون.
وتفتح الياء من لتبلين في قول سيبويه لسكونها وسكون النون.
وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها كما يبنى ما قبل هاء
التأنيث، ويقال للمرأة تبلين يا امرأة، وللمرأتين لتبليان يا امرأتان ولجماعة
النساء لتبلينان يا نسوة، زيدت الألف لاجتماع النونات.
* * *
وقوله عز وجل: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا).
روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - سمع رجلا من إليهود يقول:
" إن الله فقير ونحن أغنياء " فلطمه أبو بكر - رضي الله عنه - فشكا إليهودي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله النبي:
" ما أراد بلطمك؟
فقال أبو بكر سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمته.
فأنزل الله عز وجل: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا).
وأذى مقصور يكتب بالياء يقال قد أذي فلان يأذى أذى.
إذا سمع ما يسوءه. .
* * *
وقوله عز وجل: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187)
(لتبيننه للناس).
وليبيننه، بالياء والتاء، فمن قال ليبيننه بالياء، فلأنهم غيب، ومن قال
بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق، والمعنى أن الله أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(فنبذوه وراء ظهورهم).