سورة آل عمران
vol. 1 · p. 470
وتأويل (وليعلم الله الذين آمنوا) - والله عز وجل - قد علمهم قبل ذلك:
معناه يعلم ذلك واقعا منهم - كما قال عز وجل - (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين).
أي ليقع ما علمناه غيبأ مشاهدة للناس، ويقع - منكم. وإنما تقع المجازاة
على ما علمه الله من الخلق وقوعا على ما لم يقع وما لم يعلموه -
قال الله عز وجل: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة).
وقال: (إنما تجزون ما كنتم تعملون).
* * *
وقوله عز وجل: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141)
المعنى جعل الله الأيام مداولة بين الناس ليمحص المؤمنين بما يقع
عليهم من قتل في حربهم، أو ألم أو ذهاب مال، ويمحق الكافرين:
ليستأصلهم.
وجائز أن يكون يمحقهم يحبط أعمالهم، وتأويل المحص في
اللغة التنقية والتخليص.
قال محمد بن يزيد - رحمه الله - يقال محص الحبل محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يملص وحبل محص أو ملص بمعنى واحد.
قال وتأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا: أي أذهب عنا ما تعلق بنا
من الذنوب.
وأخبرنا محمد بن يزيد أن حنيف الحناتم ورد ماء يقال له (طويلع)
فقال: " والله إنك لمحص الرشا بعيد المستقي مظل على الأعداء ولو سألتني
أعناق الإبل لأعطيتك "
أي لو تقطعت أعناق الإبل إليك لقصدتك.
ومعنى محص الرشاء أي هو طين خر، فالرشا تتملص من اليد.
فمعنى يمحص
vol. 1 · p. 471
الذين آمنوا: يخلصهم من الذنوب.
وقال محمد بن يزيد - رحمه الله - أيضا
وغيره من أهل اللغة محص الظبي يمحص إذا عدا عدوا شديدا، وقال هو
وحده: تأويله أنه لا يخلط حدته في العدو ونيا ولا فتورا.
وقال غيره محص الظبي يمحص ومحص بمعنى واحد: إذا عدا عدوا
يكاد أن ينفد فيه من شدته.
ويقال: ويستحب من الفرس أن تمحص قوائمه
أي تخلص من الرهل.
قال أبو إسحاق: وقرأت عليه أيضا عن الخليل: المحص التخليص يقال
محصت الشيء أمحصه محصا إذا خلصته
وقال بعض أهل اللغة: (وليمحص الله الذين آمنوا) أي وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا - ولم يخبروا بحقيقة المحص ما هو.
* * *
وقوله عز وجل: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142)
وقرأها الحسن: (ويعلم الصابرين) بالكسر على العطف
ومن، قرأ (ويعلم الصابرين) فعلى النصب بالواو.
المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم الله ذلك واقعا منهم. لأنه - جل وعز -يعلمه غيبا، وإنما يجازيهم على عملهم.
وتأويل (لما) أنها جواب لقول القائل قد فعل فلان
فجوابه لما يفعل وإذا قال فعل فجوابه لم يفعل، وإذا قال: لقد فجوابه ما