سورة آل عمران
vol. 1 · p. 456
ووعد الله النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في أهل الكتاب أنهم منصورون عليهم، وأنه لا ينالهم من أهل الكتاب اصطلام ولا غلبة فقال: (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111)
أي يؤذونكم بالبهت والتحريف، فأما العاقبة فتكون للمؤمنين.
قال الله - عز وجل -: (ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12). يعني به أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر إليهود.
* * *
وقوله جل وعلا: (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)
والحبل العهد. فأعلم الله أنهم بعد عز كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا
يبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم الله أنهم يذلون أبدا إلا أن
يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناء، ليس من الأول
أنهم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه.
وأعلم الله أنهم جعلت عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة
لتغليظ ما ركبوه فقال - جل وعلا: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق).
وضع ذلك رفع بالابتداء المعنى أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم.
وقتلهم الأنبياء وأعاد ذكر ذلك ثانية فقال: (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).
vol. 1 · p. 457
الاعتداء المجاوزة في كل شيء - مجاوزة القدر - المعنى حقها بكفرهم -
فأعلم. الله أنهم غير متساوين فقال:
(ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113)
(ليسوا سواء)
وهذا وقف التمام.
أي ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواء.
قال أبو عبيدة: (ليسوا سواء) جمع ليس، وهو متقدم كما قال القائل:
أكلوني البراغيث وكما قال: عموا وصموا كثير منهم.
وهذا ليس كما قال لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى، فأخبر الله أنهم غير متساوين فقال (ليسوا سواء).
ثم أنبأ بافتراقهم فقال: (من أهل الكتاب أمة قائمة).
قال أهل اللغة معنى قائمة مستقيمة، ولم يبينوا حقيقة هذا وذكر الأخفش
المعنى أمة قائمة، أي ذو أمة قائمة والأمة الطريقة من أممت الشيء إذا قصدته.
فالمعنى والله أعلم: من أهل الكتاب أمة قائمة، أي ذوو طريقة قائمة.
قال النابغة الذبياني:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة. . . وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع
أي هل يأتمن ذو طريقة من طرائق الدين وهو طائع.
فإنما المعنى إنه لا يستوي الذين قتلوا الأنبياء بغير حق والذين يتلون آيات الله آناء الليل وهم ذوو طريقة مستقيمة.