سورة (ن)
vol. 5 · p. 210
وقوله: (ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43)
(ترهقهم ذلة)
معناه تغشاهم ذلة.
(وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43)
يعنى به في الدنيا.
* * *
وقوله: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44)
ومثله: (ذرني ومن خلقت وحيدا)، معناه لا تشغل قلبك به، كله إلي
فإني أجازيه.
ومثله قول الرجل: ذرني وإياه. وليس أنه منعه به ولكن تأويله
كله إلي فإني أكفيك أمره.
* * *
وقوله: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48)
يعني: يونس عليه السلام.
* * *
(إذ نادى وهو مكظوم)
أي مملوء غما وكربا.
* * *
وقوله: (لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49)
والمعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم، ويدل على ذلك أن النعمة
قد شملته.
* * *
وقوله: (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50)
هذا تخليص له من الذم، والعراء المكان الخالي
قال الشاعر:
رفعت رجلا لا أخاف عثارها. . . ونبذت بالبلد العراء ثيابي
* * *
قوله عز وجل: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51)
وقرئت (ليزهقونك) - بالهاء - ولكن هذه تخالف المصحف أعني الهاء
والقراءة على ما وافق المصحف (1).
وهذه الآية تحتاج إلى فصل إبانة في اللغة
فأما ما روي في التفسير
vol. 5 · p. 211
فروي أن الرجل من العرب كان إذا أراد أن يعتان شيئا. أي يصيبه بالعين تجوع ثلاثة أيام، ثم يقول للذي يريد أن يعتانه: لا أرى كاليوم إبلا أو شاء أو ما أراد.
المعنى لم أر كإبل أراها اليوم إبلا فكان يصيبها بالعين بهذا القول.
فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا منه الذكر كما كانوا يقولون لما يريدون أن يصيبوه بالعين.
فأما مذهب أهل اللغة فالتأويل عندهم أنه من شدة إبغاضهم لك
وعدوانهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يضروك، وهذا مستعمل في
الكلام، يقول القائل: نظر إلي نظرا يكاد يصرعني به، ونظرا يكاد يأكلني فيه.
وتأويله كله أنه نظر إلي نظرا لو أمكنه معه أكلي أو أن يصرعني لفعل.
وهذا بين واضح، والله أعلم.