سورة (ق)
vol. 5 · p. 45
تأمر الواحد بلفظ الاثنين، فتقول قوما واضربا زيدا يا رجل، ورووا أن الحجاج كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه، وقالوا: إنما قيل ذلك لأن أكثر ما يتكلم به العرب فيمن تأمره بلفظ الاثنين، نحو.
خليلي مرا بي على أم جندب
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
وقال محمد بن يزيد: هذا فعل مثنى توكيدا كأنه لما قال ألقيا ناب عن
قوله ألق ألق، وكذلك عنده قفا معناه عنده قف قف، فناب عن فعلين فبنى.
وهذا قول صالح وأنا اعتقد أنه أمر الاثنين (1)، والله أعلم.
* * *
وقوله: (قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27)
المعنى إنما طغى وهو بضلاله وإنما دعوته فاستجاب، كما قال: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي).
* * *
وقوله: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29)
أي من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة - فلا يجزى إلا مثلها.
* * *
وقوله عز وجل: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد
(30)
وقرئت (يوم يقول لجهنم)
نصب (يوم) على وجهين:
على معنى ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم.
وعلى معنى أنذرهم يوم نقول لجهنم، كما قال:
(وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر).
vol. 5 · p. 46
وقوله عز وجل: (هل امتلأت).
أي: أم لم تمتلئ، وإنما السوال توبيخ لمن أدخلها، وزيادة في مكروهه.
ودليل على تصديق قوله: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين).
فأما قوله: (وتقول هل من مزيد).
ففيه وجهان عند أهل اللغة:
أحدهما أنها تقول ذلك بعد امتلائها فتقول: (هل من مزيد).
أي هل بقي في موضع لم يمتلئ، أي قد امتلأت.
ووجه آخر: تقول: هل من مزيد تغيظا على من عصى كما قال عز وجل: (سمعوا لها تغيظا وزفيرا).
فأما قولها هذا ومخاطبتها فالله - عز وجل - جعل فيها ما به
تميز وتخاطب، كما جعل فيما خلق أن يسبح بحمده، وكما جعل في النملة
أن قالت: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم)
وقد زعم قوم أنها امتلأت فصارت صورتها صورة من لو ميز لقال:
(هل من مزيد)
كما قال الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني. . . مهلا رويدا قد ملأت بطني
وليس هناك قول.
وهذا ليس يشبه ذاك، لأن الله عز وجل قد أعلمنا أن المخلوقات تسبح وأننا لا نفقه تسبيحها، فلو كان إنما هو أن يدل على أنها
مخلوقة كنا نفقه تسبيحها.
* * *
وقوله عز وجل: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35)
المعنى لهم فيها ما يشاءون ولدينا مزيد مما لم يخطر على قلوبهم.
وجاء في التفسير أن السحاب يمر بأهل الجنة فيمطر لهم الحور، فيقول الحور
نحن الذين قال الله عز وجل فيهم، (ولدينا مزيد).