سورة الفتح
vol. 5 · p. 22
في اللام غير جائز لأن الراء عندهم حرف مكرر، فإذا أدغم في اللام بطل هذا الإشباع الذي فيه.
وأعلم الله عز وجل أن هؤلاء منافقون فقال:
(يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم).
وأعلم الله - عز وجل - أنهم تخلفوا عن الخروج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بظنهم ظن السوء، فأطلع الله نبيه على ذلك، قال الله عز وجل: (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12)
أي هالكين عند الله - عز وجل - فاسدين في علمه.
وقوله عز وجل: (شغلتنا أموالنا).
أي ليس لنا من يقوم بها.
(وأهلونا).
أي وشغلتنا أهلونا، ليس لنا من يخلفنا فيهم، ويجوز وأهلنا، ولكن
القراءة المشهورة بالواو، فمن قال وأهلونا فهو جمع أهل وأهلون، ومن قال
وأهلنا فهو يتضمن الجماعة كلها.
* * *
وقوله جل وعز: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15)
يعنى بقوله: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) - قوله عز وجل:
vol. 5 · p. 23
(فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا).
فأرادوا أن يأتوا بما ينقض هذا. فأعلم الله عز وجل أنهم لا يعقلون، ولا يقدرون على ذلك فقال: (قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل).
ولو كان الكلام نهيا لقال: قل لا تتبعونا.
وقرئت: " يريدون أن يبدلوا كلم الله).
فالكلم جمع كلمة، والكلام في موضع التكليم.
* * *
وقوله: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16)
وقد قرئت (أو يسلموا)، فالمعنى تقاتلونهم حتى يسلموا.
وإلا أن يسلموا.
فإن قال قائل: قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم:
(لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا)
فكيف جاز أن يقول: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون).
فإنما قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأن الله أعلمه أنهم منافقون، وأعلمه مع ذلك أنهم لا يقاتلون معه.
وجاء في التفسير أنه عني بقوله: (ستدعون إلى قوم أولي بأس) بنو
حنيفة، وأبو بكر رحمه الله، قاتلهم في أيام مسيلمة.
وجاء أيضا هوازن.
والمعنى أن كل من ظاهره الإسلام فعلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى الجهاد.
والصحابة لم يطلعوا في وقت الجهاد على من يقاتل ومن لا يقاتل.
ولا على من ينافق ومن لا ينافق، لأن الإظهار على ذلك من آيات الأنبياء
عليهم السلام.
وقد قيل: (إلى قوم أولي بأس شديد) أي، إلى فارس والروم، وذلك
في أيام أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما ومن بعدهم.