سورة الأحزاب
vol. 4 · p. 216
أن المذكور أولا لا يستقيم أن يكون معناه التأخير.
فالمعنى على مذهب أهل اللغة، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم
ومنك.
ومثله قوله: (واسجدي واركعي مع الراكعين).
* * *
وقوله: (ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8)
معناه ليسأل المبلغين من الرسل عن صدقهم في تبليغهم.
وتأويل مسألة الرسل - والله يعلم - أنهم صادقون - التبكيت للذين
كفروا بهم، كما قال الله - عز وجل - (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)، فأجاب فقال:
(سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته)، ثم قال (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به)، فتأويله التبكيت للمكذبين، فعلى هذا (ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8)
أي للكافرين بالرسل (1).
* * *
وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9)
هؤلاء الجنود هم الأحزاب، والجنود الذين كانوا: هم قريش
مع أبي سفيان وغطفان وبنو قريظة، تحزبوا وتظاهروا على حرب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل الله عليهم ريحا كفأت قذورهم، أي قلبتها، وقلعت فساطيطهم وأظعنتهم من مكانهم، والجنود التي لم يروها الملائكة.
vol. 4 · p. 217
وقوله: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10)
جاءت قريظة من فوقهم، وجاءت قريش وغطفان من ناحية مكة.
من أسفل منهم.
وقوله: (وتظنون بالله الظنونا).
اختلف القراء فيها. فقرأ بعضهم بإثبات الألف في الوقف
والوصل وقرأ بعضهم " الظنون " بغير ألف في الوصل، وبألف في
الوقف.
وقرأ أبو عمرو " الظنون " بغير ألف، في الوصل والوقف.
والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من حذاقهم أن يقرأوا
(الظنونا).
ويقفون على الألف ولا يصلون، وإنما فعلوا ذلك لأن
أواخر الآيات عندهم فواصل، ويثبتون في آخرها في الوقف ما قد
يحذف مثله في الوصل.
وهؤلاء يتبعون المصحف ويكرهون أن يصلوا ويثبتوا الألف، لأن الآخر لم يقفوا عليه فيجروه مجرى الفواصل.
ومثل هذا من كلام العرب في القوافي:
أقلي اللوم عاذل والعتابا.
فأثبت الألف لأنها في موضع فاصلة وهي القافية (1).
* * *
وقوله عز وجل: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11)
ويجوز زلزالا. بفتح الزاي، والمصدر من المضاعف يجيء على
ضربين فعلال وفعلال نحو قلقله قلقالا وقلقالا وزلزلزلته زلزالا
وزلزالا، والكسر أكثر وأجود لأن غير المضاعف من هذا الباب مكسور