سورة النور
vol. 4 · p. 53
لهم ليس في مؤاكلتهم حرج، وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك تقززا، وقيل أيضا إنهم كانوا إذا خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفوا هؤلاء فكانوا يتحوبون أن يأكلوا مما يحفظونه فأعلمو أنه ليس عليهم خناح، وقيل أيضا إنه كان قوم يدعونهم إلى طعامهم فربما صاروا إلى منازلهم فلم يجدوا فيها طعاما، فيمضون بهم إلي آبائهم.
وجميع ما ذكروا جيد بالغ إلا ما ذكروا من ترك المؤاكلة تقززا، فإني
لا أدري كيف هو.
وقوله: (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا).
معنى (أشتاتا) متفرقين متوحدين.
ونصب " جميعا " على الحال، ويروى أن حيا من العرب كان الرجل منهم لا يأكل وحده، وهم حي من كنانة، يمكث
الرجل يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، وربما كانت معه الإبل
الحفل، وهي التي ملء أخلافها اللبن فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من
يشاربه، فأعلم الله عز وجل أن الرجل منهم إن أكل وحده فلا إثم عليه.
وقوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم).
معناه فليسلم بعضكم على بعض، فالسلام قد أمر الله به، وقيل أيضا:
إذا دخلتم بيوتا وكانت خالية فليقل الداخل: السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين.
* * *
وقوله عز وجل: (تحية من عند الله).
vol. 4 · p. 54
معناه النصب على المصدر، لأن قوله فسلموا، معناه تحيوا، ويحيي
بعضكم بعضا، تحية من عند الله.
فأعلم الله - عز وجل - أن السلام مبارك طيب.
* * *
وقوله: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62)
قال بعضهم كان ذلك في الجمعة، فهو - والله أعلم - أن الله عز وجل
أمر المؤمنين إذا كانوا مع نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيما يحتاج فيه إلى الجماعة، نحو الحرب للعدو، أو ما يحضرونه مما يحتاج إلى الجمع فيه، لم يذهبوا حتى يستاأذنوه.
وكذلك ينبغي أن يكونوا مع أئمتهم لا يخالفونهم ولا يرجعون عنهم في جمع
من جموعهم إلا بإذنهم، وللإمام أن يأذن، وله أن لا يأذن، على قدر ما يرى
من الحظ في ذلك لقوله تعالى: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم).
فجعل المشيئة إليه في الإذن.
(واستغفر لهم الله).
أي استغفر لهم بخروجهم عن الجماعة إذا رأيت أن لهم عذرا.
* * *
وقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63)
أي لا تقولوا: يا محمد كما يقول أحدكم لصاحبه، ولكن قولوا يا رسول
الله ويا نبي الله بتبجيل وتوقير وخفض صوت.
أعلمهم الله عز وجل فضل النبي عليه السلام على سائر البرية في
المخاطبة.