سورة الأنبياء
vol. 3 · p. 389
قال (كانتا) لأن السماوات يعبر عنها بلفظ الواحد، وأن السماوات كانتا
سماء واحدة، وكذلك الأرضون كانت أرضا واحدة، فالمعنى أن السماوات
كانتا سماء واحدة مرتتقة ليس فيها ماء، ففتق الله السماء فجعلها سبعا وجعل الأرض سبع أرضين.
وجاء في التفسير أن السماء فتقت بالمطر، والأرض بالنبات، ويدل على
أنه يراد بفتقها كون المطر فيها قوله - عز وجل -: (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
وقيل (رتقا) ولم يقل رتقين، لأن الرتق مصدر.
المعنى كانتا ذواتي رتق فجعلتا ذواتي فتق.
ودلهم بهذا على توحيده - جل وعز - ثم بكتهم فقال: (أفلا يؤمنون).
* * *
وقول: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31)
المعنى كراهة أن تميد بهم، وقال قوم: معناه ألا تميد بهم.
والمعنى كذلك، إلا أن " لا " لا تضمر والاسم المضاف يحذف، وكراهة أن تميد بهم يؤدي عن معنى ألا تميد بهم.
ومعنى تميد في اللغة تدور، ويقال للذي يدار به إذا ركب البحر مائد.
وميدى
والرواسي تعني الجبال الثوابت.
(وجعلنا فيها فجاجا سبلا).
فجاج: جمع فج، وهوكل منخرق بين جبلين، وسبلا: طرقا.
* * *
(وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32)
حفظه الله من الوقوع على الأرض (إلا بإذنه) وقيل محفوظا، أي
vol. 3 · p. 390
محفوظا بالكواكب كما قال عز وجل: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7).
(وهم عن آياتنا معرضون).
معناه وهم عن شمسها وقمرها ونجومها، وقد قرئت عن آيتها، وتأويله
أن الآية فيها في نفسها أعظم آية لأنها ممسكة بقدرته عز وجل، وقد يقال
للذي ينتظم علامات كثيرة آية، يراد به أنه بجملته دليل على توحيد الله
عز وجل.
* * *
وقوله: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33)
(كل في فلك يسبحون).
قيل يسبحون كما يقال لما يعقل، لأن هذه الأشياء وصفت بالفعل كما
يوصف من يعقل، كما قالت العرب - في رواية جميع النحويين - أكلوني
البراغيث لما وصفت بالأكل قيل أكلوني.
قال الشاعر:
شربت بها والديك يدعو صباحه. . . إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا
* * *
وقوله عز وجل: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34)
(أفإن مت فهم الخالدون).
يقرأ مت بضم الميم، ومت بكسرها، وأكثر القراء بالضم.
وقد فسرنا ما في هذا الباب.