8
vol. 1 · p. 54
شجاعته في إظهار الحق:
كان لا يخاف في الله لومة اللائم، وكان يحضر في وعظة الرؤساء والخلفاء، وقد التفت مرة إلى ناحية الخليفة المستضيء العباس، وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين إن تكلمت، خفت منك وإن سكت خفت عليك، وإن قول القائل لك: اتق الله، خير لك من قوله: لكم أنتم أهل البيت مغفور لكم
وأضاف قائلا: لقد كان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني من عامل ظلم فلم أغيره فأنا الظالم1.
وهكذا دافع ابن الجوزي عن الحق بدون خوف لومة لائم وحارب البدع والمنكرات والتعصب في المذاهب والتقليد الأعمى، وقد كان يعترف بنجاحه في هذا المجال فيقول: "وظهر أقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون في المذاهب، فأعانني الله عزوجل عليهم وكانت كلمتنا هي العليا"2.
محنته في سبيل الحق:
وقد امتحن ابن الجوزي رحمه الله، في آخر عمره، وذلك أن الوزير ابن يونس الحنبلي كان في ولايته قد عقد مجلسا للركن عبد السلام ابن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي، وأحرقت كتبه. وكان فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل شيء كثير، وذلك بمحضر ابن
9
vol. 1 · p. 55
الجوزي وغيره من العلماء، وانتزع الوزير منه مدرسة جده وسلمها إلى ابن الجوزي.
فلما ولى الوزارة ابن القصاب - وكان رافضيا خبيثا - سعى في القبض على ابن يونس وتتبع أصحابه، فقال الركن: أين أنت عن ابن الجوزي، فإنه ناصبي، ومن أولاد أبي بكر، فهو أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبه في مشورته؟ فكتب ابن القصاب إلى الخليفة الناصر - وكان الناصر له ميل إلى الشيعة - وكان يقصد إيذاء ابن الجوزي فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى دار الشيخ وشتمه وأهانه وختم على داره وشتت عياله، ثم أخذه في سفينة إلى واسط فحبس بها في بيت وبقي يغسل ثوبه ويطبخ، ودام على ذلك خمس سنين وما دخل فيها حماما1. فالمحنة بشتى أنواعها والصبر عليها والاستمرار على الوقوف في وجه الباطل والظلم والطاغوت من دأب العلماء العاملين والمجاهدين المخلصين. وقد رسم لنا العلامة ابن الجوزي من خلال حياته سلسة متصلة من الكفاح والجهل الطويل والربط بين العلم والعمل ربطا وثيقا.
وقد عقد فصلا مستقلا في كتابه صيد الخاطر تحت عنوان: (العلماء العاملون) فمدح فيه من يستحق المدح من أقرانه، وذم من يستحق ذلك ثم قال: "فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر.