مثل الهوى إذا مازج العقل في أمر واحد
vol. 1 · p. 285
بحب الدنيا ومفتونة بالشهوات قد ضيعوا أحكام الفرائض وتوثبوا في الحدود ويعملون أعمال البر على العادة بالجزاف والتخبط قد نسوا المعاد وخلوا من ذكر الموت وخشية الله تعالى في السر وأهملوا الورع فهم سراق الأسواق في مكايلهم وموازينهم وتضيع أماناتهم
ثم من بعدهم هؤلاء المتهوكون المفتونون في الدنيا حيارى سكارى فهم عرج وزمنى وعمي لا يصلون إلى المنزل إلا بعد أهوال وشدائد وعجائب ثم بقوا في ظلمة الصراط ونفخات النار ودخان الحريق
قال له قائل صف لنا فارسا من السابقين ما صفته
قال ذاك فارس ركب مركبا من مراكب المعرفة يطير قلبه إلى الله تعالى في كل وقت وأمر وحكم حتى لو استقبلته نعمة طار قلبه إلى المنعم ولها عن النعمة وإذا استقبلته شدة طار قلبه إلى المقدر ووقف بباب القدرة ينظر إلى تقديره له ذلك قبل اللوح والقلم وخلق العرش والكرسي والجنة والنار فهاب أن يلاحظ غير ذلك الذي قدرت له نفسه بشهواتها وأمنيتها وإن ذكر الرزق طار
vol. 1 · p. 286
قلبه إليه وإن ذكر أمر الرزق طار قلبه إلى الرازق فوجد الأمر مفروغا منه وأنه قد ضمن له ذلك وأبرز ضمانه في اللوح وإن نابته نائبة طار قلبه إلى ما نابه عنه فنزل منازل الواثقين بكرمه وأحسن الظن به ووثق به وسكن في محله لربه مطمئن القلب والنفس وإن أعوزه أمر وأزعجه طار قلبه إلى المدبر فتعلق به مضطرا إليه مفتقرا إلى ما أمله ورجاه فهذا راكب نال مركبا سريا بهيا هنيا ما أسرع ما يبلغ به يوم المحشر إذا بعث من قبره فيجد مكانا في ظل العرش من قبل أن تجيء الرحمة وقد نال أهل المحشر في الموقف من العطش والجوع والحر
حدثني محمد بن يحيى بن أكرم بن حزم القطعي حدثني بشر بن عمر الزهراني حدثني ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( طوبى للسابقين إلى ظل الله تعالى ) قيل من هم يا رسول الله قال ( الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوا بذلوه والذين يحكمون للناس بحكمهم لأنفسهم )
فصاحب هذه الصفة قلبه حي بالله ونفسه سخية منقادة لله قد ذلت بحدة الحياة لله واقفا عقله بعدل الله يحكم لخلقه بحكمه لنفسه فمركبه من أعلى المراكب وأجود الحيوان