Skip to content

Books to be read, not browsed

الكلام في النحو — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 74 of 670.

الكلام في النحو

vol. 1 · p. 75

سيرها وسهولته كالماء يجري في الأبطح، فإن هذا شبه معروف ظاهر، ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها1، بأن جعل "سال" فعلا للأباطح، ثم عداه بالباء، ثم بأن أدخل الأعناق في البين2، فقال: "بأعناق المطي"، ولم يقل: "بالمطي"، ولو قال: "سالت المطي في الأباطح"، لم يكن شيئا.

وكذلك الغرابة في البيت الآخر، ليس في مطلق معنى "سال"، ولكن في تعديته بعلى والباء، وبأن جعله فعلا لقوله "شعاب الحي" ولولا هذه الأمور كلها لم يكن هذا الحسن. وهذا موضع يدق الكلام فيه.

وهذه أشياء من هذا الفن:

اليوم يومان مذ غيبت عن بصري ... نفسي فداؤك، ماذنبي فأعتذر

أمسي وأصبح لا ألقاك، واحزنا ... لقد تأنق في مكروهي القدر3

سوار بن المضرب، وهو لطيف جدا:

بعرض تنوفة للريح فيها ... نسيم لا يروع الترب وإن4

بعض الأعراب:

ولرب خصم جاهدين ذوي شذا ... تقذى صدورهم بهتر هاتر

23

vol. 1 · p. 76

لد ظأرتهم على ما ساءهم ... وخسأت باطلهم بحق ظاهر1

المقصود لفظ: "خسأت"2.

ابن المعتز:

حتى إذا ما عرف الصيد الضار ... وأذن الصبح لنا في الإبصار3

المعنى: حتى إذا تهيأ لنا أن نبصر شيئا لما كان تعذر الإبصار منعا من الليل، جعل إمكانه عند ظهور الصبح إذنا من الصبح.

وله:

بخيل قد بليت به ... يكد الوعد بالحجج4

وله:

يناجيني الإخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس في صدري5

vol. 1 · p. 77

ومما هو في غاية الحسن، وهو من الفن الأول، قول الشاعر أنشده الجاحظ1:

لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح

يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح

قال: وإليه ذهب بشار في قوله:

وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي2

ومن سر هذا الباب، أنك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت في عدة مواضع، ثم ترى لها في بعض ذلك ملاحة لا تجدها في الباقي. مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة "الجسر" في قول أبي تمام:

لا يطمع المرء أن يجتاب لجته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل3

وقوله:

بصرت بالراحة العظمى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب4

فترى لها في الثاني حسنا لا تراه في الأول، ثم تنظر إليها في قول ربيعة الرقى:

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE