19
vol. 1 · p. 68
أخرى" فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام، وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: "رأيت أسدا" رأيت رجلا كالأسد، ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.
وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل1: "أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على الماء"، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على ذلك أنك في فعلك كمن يفعل ذلك، وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه: "ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد"، فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه، حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم "فلان يقرد فلانا" يعنى به أن يتطلف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك، فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه، وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه نحو التمثيل2، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلا.
20
vol. 1 · p. 69
فصل في الكناية والاستعارة والتمثيل:
قد أجمع الجميع على أن "الكناية" أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلا أن ذلك، وإن كان معلوم ا على الجملة، فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة ومكان مسئلة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: "هو طويل النجاد، وهو جم الرماد"، كان أبهى لمعناك، وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح بالذي تريد. وكذا إذا قلت: "رأيت أسدا"، كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت: رأيت رجلا هو والأسد سواء، في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلت: "بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، كان أوقع من صريحه الذي هو قولك: بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فتقدم رجلا وتؤخر أخرى1 ونقطع على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه2 فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون، إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة، ولم كان كذلك، وهيأنا له عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه. وهذا هو قول في ذلك3: