Skip to content

Books to be read, not browsed

19 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 66 of 670.

19

vol. 1 · p. 67

أصول في التشبيه والتمثيل:

وههنا أصل يجب ضبطه وهو أن جعل المشبه المشبه به على ضربين:

أحدهما: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته1، وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من البين2، ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك "رأيت أسدا".

والثاني: أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته، وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبرا على المشبه3، فتقول: "زيد أسد، وزيد هو الأسد" أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك: "إن لقيته لقيت به أسدا، وإن لقيته ليلقينك منه الأسد" فأنت من هذا كله تعمل في إثبات كونه "أسدا" أو "الأسد"، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه "أسدا" أو "الأسد"، وتضع كلامك له. وأما في الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير. والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته: أنه تشبيه على حد المبالغة، ويقتصر على هذا القدر4، ولا يسمى "استعارة".

وأما "التمثيل" الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة، فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: "أراك تقدم رجلا وتؤخر

vol. 1 · p. 68

أخرى" فالأصل في هذا: أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ثم اختصر الكلام، وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة، كما كان الأصل في قولك: "رأيت أسدا" رأيت رجلا كالأسد، ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة.

وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل1: "أراك تنفخ في غير فحم، وتخط على الماء"، فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط، والمعنى على ذلك أنك في فعلك كمن يفعل ذلك، وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه: "ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد"، فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه، حتى يسكن ويستأنس، وهو في المعنى نظير قولهم "فلان يقرد فلانا" يعنى به أن يتطلف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه ذلك، فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه، وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه نحو التمثيل2، ثم لم يفصحوا بذلك، وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلا.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE