313
vol. 1 · p. 594
أصله وفي أول ما قيل1، وأنه كان كالرأي يراه قوم وينكره آخرون، وأن الصورة كانت كالصورة مع جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري. ذاك لأه لو كان القول بأنه أشعر الناس قولا صدر مصدر الإجماع في أوله، وحكما أطبق عليه الكافة حين حكم به، حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمام المنصور، لكان يكون محالا أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد وكان يكون كذلك بعيدا من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور، في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة مؤاخذته، يسأله فيجازف له في الجواب، ويقول قولا لم يقله أحد، ثم يطلقه إطلاق الشيء الموثوق بصحته، المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك.
ويزيد الأمر بيانا أن رأيناهم حين طبقوا الشعراء جعلوا امرأ القيس وزهيرا والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أكفاء ونظراء، وأن فضلا أن كان لواحد منهم، فليس بالذي يوئس الباقين من مداناته2، ومن أن يستطيعوا التعق به والجرى في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعي لهم أنهم ساووه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غياته أو كادوا. وإذا كان هذه صورة الأمر، كان من العمى التعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة بسببه.
وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهو أن الفضل يجب والتقديم، إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة.
vol. 1 · p. 595
يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخرتعها. ومعلوم أن المعول في دليل الإعجاز على النظم، ومعلوم كذلك أن ليس الدليل في المجيء ينظم لم يوجد من قبل فقط، بل في ذلك مضموما إلى أن يبين ذلك "النظم" من سائر ما عرف ويعرف من ضروب "النظم"، وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه1، البينونة التي لا يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه، ولا يهتدي لكنه أمره، حتى يكونوا في استشعار اليأس من أن يقدروا على مثله، وما يجري مجرى المثل له، على صورة واحدة، وحتى كان قلوبهم في ذلك أفرغت في قالب واحد2. وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لهم تعلق بشأن امرئ القيس حتى يدعوا أنه سبق إلى نظم بان من كل نظم عرف لمن قبله ولمن كان معه في زمانه، البينونة التي ذكرنا أمرها.
وهم إذا فعلوا ذلك، ورطوا أنفسهم في أعظم ما يكون من الجهالةن من حيث أن يفضي بهم إلى أن أن يدعوا على من كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من الشعراء والبلغاء قاطبة الجهل بمقادير البلاغة، والنقصان في علمها3، ولأنفسهم الزيادة عليهم، وأن يكونوا قد استدركوا في نظم امرئ القيس مزية لم تعلمها قريش والعرب قاطبة، ذلك لما مضى آنفا من أن محالا أن يكون معهم وبين أيديهم نظم يعرفون من حاله أنه مساو في الشرف نظم القرآن، ثم لا يذكرونه ولا يحتجون به على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخبرهم أن الذي أتى به خارج عن طوق البشر ويتجاوز قواهم.