312
vol. 1 · p. 593
يا أمير المؤمنين، ولم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يتتبع وحشى الكلام في شعره، ولا يعاظل بين القول.
وروى عن أبي عبيدة أنه قال: أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم: فزورت اليمانية تقديما لصاحبهم أخبارا رفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بعثني المنصور إلى حماد الرواية أسأله عن أشعر الناس، فأتيته وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس. فقال: ذاك الأعشى صناجها.
فقد علمنا أن امرأ القيس كان أشعرهم عندهم1، وأن تفضيلهم غيره عليه إنما كان على سبيل المبالغة، وعلى جهة الاستحسان للشيء يتمثل به في الوقت ويقع في النفس، وما أشبه ذلك م نالأسباب التي يعطي بها الشاعر أكثر مما يستحق. أليس فيه أنه مما لا يبعد في القياس، وأنه مما يتسع له الاحتمال، وأنه ليس بالقول الذي يعاب، والحكم الذي يزرى بصاحبه، وأنه فضله عليهم لم يكون بالفضل الذي يمنع أن يكونوا أكفاء له ونظراء، يسوغ للواحد منهم، ويسوغ هو لنفسه، دعوه مساواته والتصدي لمباراته؟
هذا، وفي حاجة المنصور إلى أن يسأل عن أشعر الشعراء، وقد مضى الدهر بعد الدهر، دليل [على] أن لم يكن الذي روى من تفضيله قولا مجمعا عليه من
313
vol. 1 · p. 594
أصله وفي أول ما قيل1، وأنه كان كالرأي يراه قوم وينكره آخرون، وأن الصورة كانت كالصورة مع جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري. ذاك لأه لو كان القول بأنه أشعر الناس قولا صدر مصدر الإجماع في أوله، وحكما أطبق عليه الكافة حين حكم به، حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمام المنصور، لكان يكون محالا أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد وكان يكون كذلك بعيدا من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور، في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة مؤاخذته، يسأله فيجازف له في الجواب، ويقول قولا لم يقله أحد، ثم يطلقه إطلاق الشيء الموثوق بصحته، المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك.
ويزيد الأمر بيانا أن رأيناهم حين طبقوا الشعراء جعلوا امرأ القيس وزهيرا والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أكفاء ونظراء، وأن فضلا أن كان لواحد منهم، فليس بالذي يوئس الباقين من مداناته2، ومن أن يستطيعوا التعق به والجرى في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعي لهم أنهم ساووه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غياته أو كادوا. وإذا كان هذه صورة الأمر، كان من العمى التعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة بسببه.
وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهو أن الفضل يجب والتقديم، إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة.