265
vol. 1 · p. 507
وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه، فليس يتصور في نفس عاقل أن يكون قول البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب
وقول المتنبي:
وكل مكان ينبت العز طيب1
سواء
واعلم أن قولنا "الصورة"، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا، فلما رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة، فكان تبين إنسان من أنسان وفرس من فرس2، بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك، وكذلك كان الأمر في المصنوعات، فكان تبين خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا3، عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: "للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك". وليس العبارة من ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"4.
266
vol. 1 · p. 508
واعلم أنه لو كان المعنى في أحد البيتين يكون على هيئته وصفته في البيت الآخر، وكان التالي من الشاعرين يجيئك به معادا على وجهه لم يحدث فيه شيئا، ولم يغير له صفة، لكان قول العلماء في شاعر: "إنه أخذ المعنى من صاحبه فأحسن وأجاد"، وفي آخر "إنه أساء وقصر"، لغوا من القول، من حيث كان محالا يحسن أو يسيء في شيء لا يصنع به شيئا.
وكذلك كان يكون جعلهم البيت نظيرا للبيت ومناسبا له، خطأ منهم، لأنه محال أن يناسب الشيء نفسه، وأن يكون نظيرا لنفسه.
وأمر ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أخذه"، وفي آخر: "إنه أخذه فأخفى أخذه"، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، وكان الأخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالا، لأن اللفظ لا يخفى المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها.
مثال ذلك إن القاضي أبا الحسن1، ذكر فيما ذكر فيه "تناسب المعاني"، بيت أبي نواس:
خليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب2
وبيت عبد الله بن مصعب:
كأنك جئت محتكما عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء