Skip to content

Books to be read, not browsed

11 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 48 of 670.

11

vol. 1 · p. 49

وتلاقت معانيها، على الوجه الذي اقتضاه العقل. وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالي في النطق، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وأنه نظير الصياغة والتحبير والتفويف والنقش، 1 وكل ما يقصد به التصوير، وبعد أن كنا لا نشك في أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتهما جانبا؟ وأي مساغ للشك في أن الألفاظ لا تستحق من حيث هي ألفاظ، أن تنظم على وجه دون وجه؟

وفو فرضنا أن تنخلع من هذه الألفاظ، التي هي لغات، دلالتها2، لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، ولا تصور أن يجب فيها ترتيب ونظم3.

ولو حفظت ضبيبا شطر "كتاب العين" أو "الجمهرة"، من غير أن تفسر له شيئا منه، وأخذته بأن يضبط صور الألفاظ وهيأتها4، ويؤديها كما يؤدي أصناف أصوات الطيور5، لرأيته ولا يخطر له ببال أن من شانه أن يوخر لفظا ويقدم آخر، بل كان حاله حال من يرم ى الحصبى ويعد الجوز، اللهم إلا أنتسومه أنت أن يأتي بها على حروف المعجم ليحفظ نسق الكتاب.

13

vol. 1 · p. 50

ودليل آخر، وهو أنه لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه، دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس1، ثم النطق بالألفاظ على حذوها، لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسبان بتوالي الألفاظ في النطق إحساسا واحدا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئا يجهله الآخر.

بيان معنى "النظم":

وأوضح من هذا كله، وهو أن هذا "النظم" الذي يتواصفه البلغاء، وتتفاضل مراتب البلاغة من أجله، صنعة يستعان عليها بالفكرة لا محالة. وإذا كانت مما يستعان عليها بالفكرة2، ويستخرج بالروية، فينبغي أن ينظر في الفكر، بماذا تلبس؟ أبا المعاني أم بالألفاظ؟ فأي شيء وجدته الذي تلبس به فكرك من بين المعاني والألفاظ، فهو الذي تحدث فيه صنعتك3، وتقع فيه صياغتك ونظمك وتصويرك. فمحال أن تتفكر في شيء وأنت لا تصنع فيه شيئا، وإنما تصنع في غيره. لو جاز ذلك، لجاز أن يفكر البناء في الغزل، ليجعل فكره فيه وصلة إلى أن يصنع من الآجر، وهو من الإحالة المفرطة.

فإن قيل: "النظم" موجود في الألفاظ على كل حال، ولا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعمه في المعاني، ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه الخاص.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE