234
vol. 1 · p. 450
أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا1
ألا ترى أنك لو حملت نفسك على أن تظهر التشبيه وتفصح به، احتجت إلى أن تقول: "أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان لطالبي الحسن، شبيه العناب من أطرافها المخضوبة"، وهذا ما لا تخفى غثاثته. من أجل ذلك كان موقع "العناب" في هذا البيت أحسن منه في قوله:
وعضت على العناب بالبرد
وذاك لأن إظهار التشبيه فيه لا يقبح هذا القبح المفرد، لأنك لو قلت: "وعضت على أطراف أصابع كالعناب بثغر كالبرد"، كان شيئا يتكلم بمثله وإن كان مرذولا. وهذا موضع لا يتبين سره إلا من كان مهلب الطبع حاد القريحة2. وفي الاستعارة علم كثير، ولطائف معان، ودقائق فروق، وسنقول فيها إن شاء الله في موضع آخر.
القسم الثاني: وهو الذي تكون فصاحته في النظم
واعلم أنا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: "إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله"3، قلنا: "أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزية فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه إلى النظم"4، وقد ذكرنا في
235
vol. 1 · p. 451
القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل، إذا هو تأملها، شك في بطلان ما تعلقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: "إن الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه"1، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوس منهم، وتفحم في المحالات2.
وأما القسم الذي تعزى فيه المزية إلى "النظم"، فإنهم إن ظنوا أن سؤالهم الذي اغتروا به يتجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. وذلك أن "النظم"، كما بينا، إنما هو توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه، والعمل بقوانينه وأصوله، وليست معاني النحو معاني ألفاظ3، فيتصور أن يكون لها تفسير.
وجملة الأمر، أن "النظم" إنما هو أن "الحمد" من قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم} مبتدأ، و "لله" خبره، و "رب" صفة لاسم الله تعالى ومضاف إلى "العالمين" و "العالمين" مضاف إليه، و "الرحمن الرحيم" صفتان كالرب، و "مالك" من قوله: {مالك يوم الدين} صفة صفة أيضا، ومضاف إلى يوم. و "يوم" مضاف إلى "الدين"، و "إياك" ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: "الله تعبد"، ثم إن "نعبد" هو المقتضي معنى النصب فيه، وكذلك حكم {وإياك نستعين} معطوف بالواو على جملة {إياك نستعين}، و {الصراط}