الفروق في الحال:
vol. 1 · p. 435
"اليد" قد نقل عن شيء إلى شيء. وذلك أنه ليس المعنى على أنه شبه شيئا باليد، فيمكنك أن تزعم أنه نقل لفظ "اليد" إليه، وإنما لامعنى على أنه أراد أن يثبت للشمال في تصريفها "الغداة" على طبيعتها، شبه الإنسان قد أخذ الشيء بيده يقلبه ويصرفه كيف يريد. فلما أثبت لها مثل فعل الإنسان باليد، استعار لها "اليد". وكما لا يمكنك تقدير "النقل" في لفظ "اليد"، كذلك لا يمكنك أن تجعل الاستعارة فيه من صفة اللفظ، ألا ترى أنه محال أن تقول: إنه استعار لفظ "اليد" للشمال؟ وكذلك سبيل نظائره، مما تجدهم قد أثبتوا فيه للشيء عضوا من أعضاء الإنسان، من أجل إثباتهم له المعنى الذي يكون في ذلك العضو من الإنسان كبيت الحماسة:
إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك1
فإنه لما جعل "المنايا" تضحك، جعل لها "الأفواه والنواجذ" التي يكون الضحك فيها وكبيت المتنبي:
خميس بشرق الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم2
لما جعل "الجوزاء" تسمع على عادتهم في جعل النجوم تعقل، ووصفهم لها بما يوصف به الأناسي أثبت لها "الأذن" التي بها يكون السمع من الأناسي.
226
vol. 1 · p. 436
فأنت الآن لاتستطيع أن تزعم في بيت الحماسة أنه استعار لفظ "النواجذ" ولفظ "الأفواه"، لأن ذلك يوجب المحال، وهو أن يكون في المنايا شيء قد شبهة بالنواجذ، وشيء قد شبهه بالأفواه، فليس إلا أن تقول: إنه لما ادعى أن المنايا تسر وتستبشر إذا هو هز السيف، وجعلهخا لسرورها بذلك تضحك1 أراد أن يبالغ في الأمر، فجعلها في صورة من يضحك حتى تبدو نواجذه من شدة السرور.
وكذلك لا تستطيع أن تزعم أن المتنبي قد استعار لفظ "الأذن"، لأنه يوجب أن يكون في "الجوزاء" شيء قد أراد تشبيهه بالأذن. وذلك من شنيع المحال.
تحقيق في معنى "الاستعارة":
فقد تبين من غير وجه أن "الاستعارة" إنما هي ادعاء معنى الاسم للشيء، لا تقل الاسم عن الشيء. وإذا ثبت أنها ادعاء معنى الاسم للشيء، علمت أن الذي قالوه من "أنها تعليق للعبارة على غير ما وضعت له في اللغة، وقل لها عما وضعت له"2 كلام قد تسامحوا فيه، لأنه إذا كانت "الاستعارة" ادعاء معنى الاسم، لم يكن الاسم مزالا عما وضع له، بل مقرا عليه.
تفسير معنى "جعل" في الكلام وفي القرآن:
واعلم أنك تراهم لا يمتنعون إذا تكلموا في "الاستعارة" من أن يقولوا: "إنه أراد المبالغة فجعله أسدا"، بل هم يلجأون إلى القول به. وذلك صريح في أن الأصل فيها المعنى، وأنه المستعار في الحقيقة، وأن قولنا: "استعير له اسم الأسد"، إشارة إلى أنه استعير له معناه، وأنه جعل إياه.