207
vol. 1 · p. 405
ونفيهم لهما أخرى. ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى من غير أن يعتبر حال معنى هذا مع معنى تلك، ويراعى هناك أمر يصل إحداهما بالأخرى، كمراعاة كون: "نبك"، جوابا للأمر في قوله: "قفانبك"، وكيف بالشك في ذلك؟ ولو كنت الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ، ومع اطراح النظر في معانيها، لأدى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المجان من قراءة أنصاف الكتب، ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال:
عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء شطر كتاب1
لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق، ولم يجعله أبو تمام جنونا إلا لذلك. فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور.
208
vol. 1 · p. 406
فصل:
دليل آخر على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفحة للفظ من حيث هو لفظ:
وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون "الفصاحة" صفة للفظ من حيث هو لفظ.
لا تخلو "الفصاحة" من أن تكون صفة في اللفظ محسوسة تدرك بالسمع، أو تكون صفة فيه معقولة تعرف بالقلب. فمحال أن تكون صفة في اللفظ محسوسة، لأنها لو كانت كذلك، لكان ينبغي أن يستوي السامعون للفظ الفصيح في العلم بكونه فصيحا. وإذا وجب الحكم بكونها صفة معقولة، فإنا لا نعرف للفظ صفة يكون طريق معرفتها العقل دون الحس، إلا دلالته على معنى1 وإذا كان كذلك، لزم منه العلم بأن وصفنا اللفظ بالفصاحة، وصف له من جهة معناه، لا من جهة نفسه، وهذا ما لا يبقى لعاقل معه عذر في الشك، والله الموفق للصواب.
بيان آخر في بطلان أن تكون الفصاحة للفظ من حيث هو لفظ:
وبيان آخر، وهو أن القارئ إذا قرأ قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4]، فإنه لا يجد الفصاحة التي يجدها إلا من بعد أن ينتهي الكلام إلى آخره. فلو كانت "الفصاحة" "صفة للفظ" "اشتعل"، لكطان ينبغي أن يحسبها القارئ فيه حال نطقه به. فمحال أن تكون للشيء صفة، ثم لا يصح العلم بتلك الصفة إلا من بعد عذمه. ومن ذا رأى صفة يعرى موصوفها عنها