Skip to content

Books to be read, not browsed

مقدمة — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 3 of 670.

مقدمة

vol. 1 · p. 4

آلت ولا شيء أحشد للذم على صاحبها منها1. ولا شين أشين من إعماله لها2.

فهذا من فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه، ولا ترى أحدا يدفعه أو ينفيه، فأما المفاضلة بين بعضه وبعض، وتقديم فن منه على فن، فإنك ترى الناس فيه على آراء مختلفة، وأهواء متعادية، ترى كلا منهم لحبه نفسه، وإيثاره أن يدفع النقص عنها، يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن، ويحاول الزراية على الذي لم يحظ به3 والطعن على أهله والغض منهم. ثم تتفاوت أحوالهم في ذلك، فمن مغمور قد استهلكه هواه، وبعد في الجور مداه، ومن مترجح فيه بين الإنصاف والظلم4، يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم، فأما من يخلص في هذا المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل، وحتى يصدر في كل أمره عن العقل، فكالشيء الممتنع وجوده. ولم يكن ذلك كذلك، إلا لشرف العلم وجليل محله، وأن محبته مركوزة في الطباع، ومركبة في النفوس، وأن الغيرة عليه لازمة للجبلة، وموضوعة في الفطرة، وأنه لا عيب أعيب عند الجميع من عدمه، ولا ضعة أوضع من الخلو عنه، فلم يعاد إذن إلا من فرط المحبة، ولم يسمح به إلا لشدة الضن.

علم البيان:

ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا، من علم البيان، الذي لولاه لم تر

دلائل الإعجاز

vol. 1 · p. 5

لسانا يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد1، ويريك بدائع من الزهر، ويحنيك الحلو اليانع من التمر، والذي لولا تحفيه بالعوم، وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد الدهر صورة2، ولاستمر السرار بأهلتها3، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء.

ما لحق علم البيان من الضيم والخطأ:

إلا أنك لن ترى على ذلك نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه، ومني من الحيف بما مني به4، ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه، فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة وظنون ردية، وركبهم فيه جهل عظيم وخطأ فاحش، ترى كثيرا منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين، وما يجده للخط والعقد5، يقول: إنما هو خبر واستخبار، وأمر ونهي، ولكل من ذلك لفظ قد وضع له، وجعل دليلا عليه، فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات، عربية كانت أو فارسية، وعرف المغزى من كل لفظة، ثم ساعده اللسان على النطق بها، وعلى تأدية أجراسها وحروفها، فهو بين في تلك اللغة، كامل الأداة، بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه، منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها يسمع الفصاحة والبلاغة

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE