Skip to content

Books to be read, not browsed

الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 376 of 670.

الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات

vol. 1 · p. 377

وإذا كان الأمر كذلك، كان جل "الابن" صفة في الآية، مؤديا إلى الأمر العظيم، وهو إخراجه عن موضع النفي والإنكار، إلى موضع الثبوت والاستقرار، جل الله تعالى عن شبه المخلوقين، وعن جميع ما يقول الظالمون، علوا كبيرا.

فإن قيل: إن هذه قراءة معروفة، والقول بجواز الوصفية في "الابن" كذلك معروف ومدون في الكتب، وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل به "الابن" في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه.

قيل: إن القراءة كما ذكرت معروفة، والقول بجواز أن يكون "الابن" صفة مثبت مسطور في الكتب كما قلت، ولكن الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق لحق الخبر دون الصفة1 ليس بالشيء الذي يعترض فيه شك أو تتسلط عليه شبهة. فليس يتجه أن يكون "الابن" صفة ثم يلحقه الإنكار مع ذلك، إلا على تأويل غامض، وهو أن يقال: إن الغرض الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشرك، أنهم كانوا يذكرون "عزيرا" هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه: "إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما، فهم يقولون أبدا: زيد الأمير"، تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه، إلا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه، إذا أنت لم تقدر له خبرا معينا، ولكن تريد أنهم كانوا لا يخبرون عنه بخببر إلا كان ذكرهم له هكذا.

191

vol. 1 · p. 378

مثال آخر في بيان قوله: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم}

ومما هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171]. وذلك أنهم قد ذهبوا في رفع "ثلاثة" إلى أنها خبر مبتدأ محذوف، وقالوا: إن التقدير: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة". وليس ذلك بمستقيم. وذلك أنا إذا قلنا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كان ذلك، والعياذ بالله، شبيه الإثبات أن ههنا آلهة، من حيث إنك إذا نفيت، فإنما تنفي المعنى المستفاد من الخبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ، فإذا قلت: "ما زيد منطلقا" كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد، ولم تنف معنى زيد ولم توجب عدمه. وغذاكان ذلك كذلك، فإذا قلنا: "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، كنا قد نفينا أن تكون عدة الآلهة ثلاثة، ولم تنف أن تكون آلهة، جل الله تعالى عن الشريك والنظير كما أنك إذا قلت: "ليس أمراؤنا ثلاثة"، كنت قد نفيت أن تكون عدة الأمراء ثلاثة، ولم تنف أن يكون لكم أمراء. هذا ما لا شبهة فيه. وغذا أدى هذا التقدير إلى هذا الفساد، وجب أن يعدل عنه إلى غيره.

والوجه، والله أعلم، أن تكون "ثلاثة" صفة مبتدأ لا خبر مبتدإ، ويكون التقدير: "ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو: في الوجود آلهة ثلاثة"، ثم حذف الخبر الذي هو "لنا" أو "في الوجود" كما حذف من: "لا إله إلا الله" و {ما من إله إلا الله} [آل عمران: 62]، فبقي "ولا تقولوا آلهة ثلاثة"، ثم حذف الموصوف الذي هو "آلهة"، فبقي: "ولا تقولوا ثلاثة". وليس في حذف ما قدرنا حذفه ما يتوقف في صحته. أما حذف الخبر الذي قلنا إنه "لنا" أو "في الوجود"، فمطرد في كل ما معناه التوحيد، ونفي أن يكون مع الله، تعالى عن ذلك، إله.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE