187
vol. 1 · p. 372
السامع، نفإذا رأي المعاني تقع في نفسه من بعد وقوع الألفاظ في سمعه. ظن لذلك أن المعاني تبع للألفاظ في ترتيبها. فإن هذا الذي بيناه يريه فساد هذا الظن. وذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعا للألفاظ في ترتيبها، لكان محالا أن تتغير المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها. فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغير من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن أماكنها، علمنا أن الألفاظ هي التابعة، والمعاني هي المتبوعة.
الإشكال في معرفتين، هما مبتدأ وخبر، وفصل الإشكال بالمعنى:
واعلم أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين فيجعلهما مبتدأ وخبرا، ثم يقدم الذي هو الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلم تعلم أن المقدم خبر، حتى ترجع إلى المعنى وتحسن التدبر.
أنشد الشيخ أبو علي في "التذكرة"1:
نم وإن لم أنم كراي كراكا2
ثم قال: "ينبغي أن يكون "كراي" خبرا مقدما، ويكون الأصل: "كراك كراي"، أي نم، وإن لم أنم فنومك نومي، كما تقول: "قم، وإن
188
vol. 1 · p. 373
جلست، فقيامك قيامي، هذا هو عرف الاستعمال في نحوه" ثم قال: "وإذا كان كذلك، فقد قدم الخبر وهو معرفة، وهو ينوى به التأخير من حيث كان خبرا" قال: "فهو كبيت الحماسة:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد1
فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه ينوي التأخير المعنى2، ولولا ذلك لكانت المعرفة، إذا قدمت، هي المبتدأ لتقدمها، فافهم ذلك". هذا كله لفظه.
بيان السبب في تعدد أوجه تفسير الكلام:
واعلم أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكرت لك، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لظفه شيئا، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، وهو الذي وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون ي الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير. وهو، على ذاك3، الطريق المزلة الذي ورط كثيرا من الناس في الهلكة، وهو مما يعلم به العاقل شدة الحاجة إلى هذا العلم، وينكشف معه عوار الجاهل به، ويفتضح عنده المظهر الغنى عنه. ذاك لأنه قد يدفع إلى الشيء لا يصح