Skip to content

Books to be read, not browsed

185 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 369 of 670.

185

vol. 1 · p. 370

مؤلفا، وتشبه معه بمن عمل نسجا أو صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع.

استدلال على أن "النظم" هو توخي معاني النحو، وهو مهم:

وفساد هذا وشبهه من الظن، وإن كان معلوما ظاهرا، فإن ههنا استدلالا لطيفا تكثر بسببه الفائدة. وهو أن يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له ويفسدها عليه، من غير أن يحول منه لفظا عن موضعه، أو يبدله بغيره، أو يغير شيئا من ظاهر أمره على حال.

مثال ذلك: أنك إن قدرت في بيت أبي تمام:

لعاب الأفاعي القاتلات لغابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل1

أن "لعاب الأفاعي" مبتدأ و "لعابه" خبر، كما يوهمه الظاهر، أفسدت عليه كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه. وذلك أن الغرض أن يشبه مداد قلمه بلعاب الأفاعي، على معنى أنه إذا كتب في إقامة السياسات أتلف به النفوس، وكذلك الغرض أن يشبه مداده بأري الجني2، على معنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها. وهذا المعنى إنما يكون إذا كان "لعابه" مبتدأ، و "لعاب الأفاعي" خبرا، فأما تقديرك أنت يكون "لعاب الأفاعي" مبتدأ

186

vol. 1 · p. 371

و "لعابه"، خبرا فيبطل ذلك ويمنع منه البتة، ويخرج بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكون مرادا في مثل غرض أبي تمام، وهو أن يكون أراد أن يشبه "لعاب الأفاعي" بالمداد، ويشبه كذلك "الأري" به.

فلو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، حتى تزال عن مواضعها، كما لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض، حتى نزال الخيوط مواضعها.

واعلم أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: "لعاب الأفاعي القاتلات لعابه"، سبيل قولهم: "عتابك السيف". وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك مشبه شيئا بشيء، وجامع بينهما في وصف1، وليس المعنى في: "عتابك السيف"، على أنك تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل "السيف" بدلا من "العتاب". أفلا ترى أنه يصح أن تقول: مداد قلمه قاتل كسم الأفاعي"، ولا يصح أن تقول: "عتابك كالسيف"، اللهم إلا أن تخرج إلى باب آخر، وشيء ليس هو غرضهم بهذا الكلام، فتريد أنه قد عاتب عتابا خشنا مؤلما. ثم إنك إن قلت: "السيف عتابك"، خرجت به إلى معنى ثالث، وهو أن تزعم أن عتابه قد بلغ في إيلامه وشدة تأثيره مبلغا صار له السيف كأنه ليس بسيف.

واعلم أنه إن نظر ناظر في شأن المعاني والألفاظ إلى حال

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE