179
vol. 1 · p. 362
نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه، أم من حيث صنع في معانيها ما نصع، وتوخى فيها ما توخى؟ فإن زعمت أنك جعلته قائلا له من حيث إنه نطق بالكلم وسمعت ألفاظها من فيه على النسق المخصوص، فاجعل راوي الشعر قائلا له، فإنه ينطق بها ويخرجها من فيه على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر. وذلك ما لا سبيل لك إليه.
فإن قلت: إن الراوي وإن كان قد نطق بألفاظ الشعر على الهيئة والصورة التي نطق بها الشاعر، فإنه هو لم يبتدئ فيها النسق والترتيب، وإنما ذلك شيء ابتدأه الشاعر، فلذلك جعلته القائل له دون الراوي.
قيل لك: خبرنا عنك، أترى أنه يتصور أن يجب لألفاظ الكلم التي تراها في قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل1
هذا الترتيب، من غير أن يتوخى في معانيها ما تعلم أن امرأ القيس توخاه من كون "نبك" جوابا للأمر، وكون "من" معدية له إلى "ذكرى"، وكون "ذكرى" مضافة إلى "حبيب"، وكون "منزل" معطوفا على "حبيب"، أم ذلك محال؟
فإن شككت في استحالته لم تكلم2.
وإن قلت: نعم، هو محال.
180
vol. 1 · p. 363
قيل لك: فإذا كان محالا أن يجب في الألفاظ ترتيب من غير أن يتوخى في معانيها معاني النحو، كان قولك: "إن الشاعر ابتدأ فيها ترتيبا"، قولا بما لا يتحصل.
لا يكون ترتيب حتى يكون قصد إلى صورة وصفة:
وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة إن لم يقدم فيه ما قدم، ولم يؤخر ما أخر، وبدئ بالذي ثني به، أو ثني بالذي ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة، وإذا كان كذلك، فينبغي أن تنظر إلى الذي يقصد واضع الكلام أن يحصل له من الصورة والصنعة: أفي الألفاظ يحصل له ذلك، أم في معاني الألفاظ؟ وليس في الإمكان أنت يشك عاقل إذا نظر، أن ليس ذلك في الألفاظ، وإنما الذي يتصور أن يكون مقصودا في الألفاظ هو "الوزن"، وليس هو من كلامنا في شيء، لأنا نحن فيما لا يكون الكلام كلاما إلا به، وليس للوزن مدخل في ذلك.