128
vol. 1 · p. 275
"ما قارب أن يفعل"، مقتضيا على البت أنه قد فعل1.
وإذا قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر، كالذي تراه في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71]، فليس إلا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون.
فالمعنى إذن في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب، وثبوته فيه وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون، كما تقول: "إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي في وهم، ولم يجر متى على بال: أنه يجوز علي ما يشبه السلوة، وما بعد فترة، فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصبر إليه.
وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: "لم يرها ولم يكد"، فبدأوا فنقوا الرؤية، ثم عطفوا "لم يكد" عليه، ليعموك أن ليس سبيل "لم يكد" ههنا سبيل "ما كادوا" في قوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} [البقرة: 71]، في أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن
129
vol. 1 · p. 276
نكون، ولو كان "لم يكد" يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام متهم محالا جاريا مجرى أن تقول: "لم يرها ورآها"، فاعرفه.
وههنا نكتة، وهي أن "لم يكد" فيالآية والبيت واقع في جواب "إذا"، والمضاي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا قلت: "إذا خرجت لم أخرج"، كنت قد نفيت خروجا فيما سيتقبل. وغا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد كان، لأنه يؤدي إلى أن يجيء "بلم أفعل" ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: "إذا خرجت لم أخرج أمس"، وذلك محال. ومما يتضح فيه هذا المعنى قول الشاعر:
ديار لجهمة بالمنحنى ... سقاهن مرتجز باكر
وراح عليهن ذو هيدب ... ضعيف القوى، ماؤه زاخر
إذا رام نهضا بها لم يكد ... كذي الساق أخطأها الجابر1
وأعود إلى الغرض. فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله، فيرى أنه غير صواب، فمنا ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟