Skip to content

Books to be read, not browsed

مواضع التقديم والتأخير: الخبر — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 263 of 670.

مواضع التقديم والتأخير: الخبر

vol. 1 · p. 264

وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في هيئة، ويتشكل بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية، ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره، وحيث لا يكون كناية ولا تمثل ولا استعارة1، ولا استعانة في الجملة بمعنى على معنى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ، فلو أن قائلا قال: "رأيت الأسد"، وقال آخر: "لقيت الليث"، لم يجز أن يقال في الثاني انه صورالمعنى فيغير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى معرضه، ولا شيئا من هذا الجنس.

وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ، حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة، ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر.

واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ من أن يتغير المعنى، على ما مضى من البيان في "مسائل التقديم والتأخير"2، وعلى ما رأيت في المسئلة التي مضت الآن3، أعني قولك: "إن زيدا كالأسد"، و "كأن زيدا الأسد"، ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير النظم فقط. وأما فتحك "أن" عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها، لأن معنى الكسر باق بحاله.

121

vol. 1 · p. 265

واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص. ألا ترى أن ليست المزية التي تجدها لقولك: "كأن زيدا الأسد" على قولك: "زيد كالأسد"، لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى1، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما صورة الخاتم، ويفترقان بخاصة وشيء يعلم، إلا أنه لا يعلم منفردا.

ولما كان الأمر كذلك، لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص، إذا كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى وكيفية له وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافا له من حيث هو لفظ، كنحو وصفهم له بأنه لفظ شريف، وأنه قد زان المعنى، وأن له ديباجة، وأن عليه طلاوة، وأن المعنى منه في مثل الوشي، وأنه عليه كالحلي، إلى أشباه ذلك مما يعلم ضرورة أنه لا يعنى بمثله الصوت والحرف. ثم إنه لما جرت به العادة واستمر عليه العرف وصار الناس يقولون اللفظ واللفظ لزم من ذلك بأنفس أقوام بابا من الفساد2، وخامرهم منه شيء لست أحسن وصفه.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE