Skip to content

Books to be read, not browsed

110 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 247 of 670.

110

vol. 1 · p. 248

هذه فصول شتى في أمر "اللفظ" و "النظم" فيها فضل شحذ للبصيرة، وزيادة كشف عما فيها من السريرة

فصل:

غلط منكر في شأن البلاغة، والرد عليه:

وغلط الناس في هذا الباب كثير. فمن ذلك أنك تجد كثيرا ممن يتكلم في شأن البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول: "لا غرو، فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف، ولن يبلغ الدخيل في اللغات والأنسة مبلغ من نشأ عليها، وبدئ من أول خلقه بها"، وأشباه هذا مما يوهم أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة. وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم1. وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا تفوق علوم البشر، وتقصر قوى نظرهم عنها، ومعلومات ليس في متن أفكارهم وخواطرهم أن تقضي بهم إليا، وأن تطلعهم عليها، وذلك محال فيما كان علما باللغة، لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل اللغة. وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل.

واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فتستند إلى اللغة، ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها، وما ينبغي أن يصنع فيها،

111

vol. 1 · p. 249

فليس الفضل للعلم بأن "الواو" للجمع، و"الفاء" للتعقيب بغير تراخ، و"ثم" له بشرط التراخي، و"إن" لكذا و"إذا" لكذا، ولكن لأن يتأتى لك إذا نظمت شعرا وألفت رسالة أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه.

وأمر آخر إذا تأمله الإنسان1 أنف من حكاية هذا القول، فضلا عن اعتقاده، وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين "الفاء" و "ثم" و "إن" و "إذا" وما أشبه ذلك، مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب بالفصل وترك العطف، وبالحذف والتكرار، والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدثها لك التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤم، والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ لشيء لم يستعر له، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب. وكفى بذلك جهلا.

ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهبا في الغموض، ولا أعجب شأنا، من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر تفلتا من الفهم وانسلالا منها وإن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها، رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع، ومن هو مهيأ لفهم تلك الإشارات، حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان، قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم، ولا يعرفها من ليس منهم.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE