التقديم والتأخير
vol. 1 · p. 221
بسم الله الرحمن الرحيم
القول في الفصل والوصل:
248م- اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض، أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة، تستأنف واحدة منها بعد أخرى1 من أسرار البلاغة، ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص2، والإ قوم طبعوا على البلاغة3، وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد. وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال: "معرفة الفصل من الوصل"4، ذاك لغموضه ودقة مسلكه، وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد، إلا كمل لسائر معاني البلاغة.
واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد، ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها.
ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول، وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب، نحو أن المعطوف على
98
vol. 1 · p. 222
المرفوع بأنه فاعل مثله، والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك.
وإذا كان هذا أصله في المفرد، فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين:
أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك، كان حكمها حكم المفرد، إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد، وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد، كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد على المفرد1، وكان وجه الحاجة إلى "الواو" ظاهرا، والإشراك بها في الحكم موجودا، فإذا قلت: "مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح" كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى، وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة. ونظائر ذلك تكثر، والأمر فيها يسهل.
والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني، وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى، كقولك: "زيد قائم، وعمرو قاعد" و "العلم حسن، والجهل قبيح"، لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن "الواو" أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجه. وإذا كان كذلك، فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه، ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول: "زيد قائم، عمرو قاعد"، بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه؟