Skip to content

Books to be read, not browsed

83 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 195 of 670.

83

vol. 1 · p. 196

الكمال: واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه، حتى إذا صرنا إلى المخاطب، وجدناه قد استكمل هذه الصفة، واستجمع شرائطها، وأخلص جوهرها، ورسخ فيه سنخها1. ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل، ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الوصوفين بالشجاعة، لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة، لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه، وأن لا يخالطها ما يقدح فيها، وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنت الشجاع"، هو الغرض بقولهم: "هذه هي الشجاعة على الحقيقة، وما عداها جبن" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"2، و "هذا هو الشعر" وما سواه فليس بشيء". وذلك أظهر من أن يخفى.

وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون "أنت الشجاع" بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان، على حد "أنت الخلق كلهم"3، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و "أنت الناس كلهم" و "قد جميع العالم منك في واحد"، تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس، من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس، بل على أن تدعي له أمثالها. ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل: "إنه معدود بألف رجل"، فلست

vol. 1 · p. 197

تعني أنه معدود بألف لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه1، بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا2، ما لا تجد مقداره مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له مقداره مفرقا إلا في ألف رجل. وأما في نحو "أنت الشجاع"، فإنك تدعي له أن قد انفرد بحقيقة الشجاعة، وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد، حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة، وحتى كأن كل إقدام إحجام، وكل قوة عرفت في الحرب ضعف. وعلى ذلك قالوا: "جاد حتى بخل كل جواد، وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد"، كما قال:

وإنك لا تجود على جواد ... هباتك أن يلقب بالجواد3

وكما يقال: "جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود، وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود"، كما قال:

أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد4

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE