Skip to content

Books to be read, not browsed

79 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 183 of 670.

79

vol. 1 · p. 184

وقول الآخر:

أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غاتبته لان جانبه1

فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يعن في الوهم2، دون أن يكون قد عرف جرلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه، حتى كأنك قلت: "أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يحبك".

ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل، جرى على ما يوصف بالاستحالة، كقولك للرجل وقد تمنى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله:

مالا يكون فلا يكون بحيلة ... أبدا وما هو كائن سيكون3

ومن لطيف هذا الباب قوله:

وإني لمشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه4

قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا، ولذلك قال المأمون: "خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم.

مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض

vol. 1 · p. 185

الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان

وأما قولنا: "المنطلق زيد"، والفرق بينه وبين أن تقول: "زيد المنطلق"1، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد2، فليس الأمر كذلك، بل بين الكلامين فصل ظاهر.

وبيانه: أنك إذا قلت: "زيد المنطلق"، فأنت في حديث انطلاق قد كان، وعرف السامع كونه، إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو؟ فإذا قلت: "زيد المنطلق"، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز.

وليس كذلك إذا قدمت "المنطلق" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأيت إنسانا ينطلق بالبعد منك، فلم تثبته3، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: "المنطلق زيد"، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد.

وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج، والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته، فيقال لك: "اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا، أما تعرفه؟ لشد ما نسيت"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس الديباج، لاستحالة ذلك، من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE