74
vol. 1 · p. 174
هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: "لكن يمر عليها وهو ينطلق"، لم يحسن.
الفرق بين الخبر صفة مشبهة، والخبر إذا كان فعلا:
وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه1، فانظر إلى قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} [الكهف: 18]، فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل ههنا، وأن قولنا: "كلبهم يبسط ذراعيه"، لا يؤدي الغرض، وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت، ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل، ومعنى يحدث شيئا فشيئا. ولا فرق بين "وكلبهم باسط"، وبين أن يقول: "وكلبهم واحد" مثلا، في أنك لا تثبت مزاولة، ولا تجعل الكلب يفعل شيئا، بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب.
ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا، ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه. فإذا قلت: "زيد طويل"، و "عمرو قصير": لم يصلح مكانه "يطول" و "يقصر"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، ومما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه القصر. فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة، وعن شيء قد استقر طوله، ولم يكن ثم تزايد وتجدد، فلا يصلح فيه إلا الاسم.
75
vol. 1 · p. 175
أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما:
وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضع كثيرة1، وظهر الأمر، بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه، وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر، وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر، كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي. وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه، كذلك نجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه، ولا يؤدي ما كان يؤديه.
فمن البين في ذلك قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق2
معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نار متحرقة"3، لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس، ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به، بل من جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال.
وكذلك قوله:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم4
وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه الإلهاب والإشعال حالا فحالا، وإذا قيل: "متحرقة"، كان المعنى أن هناك نارا قد