Skip to content

Books to be read, not browsed

68 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 160 of 670.

68

vol. 1 · p. 161

أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما أنك إذا قلت:"ما لك تمنع أخاك؟ "، كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه.

مثال آخر للحذف الخفي:

ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى، قول البحتري:

إذا بعدت أبلت، وإن قربت شفت ... فهجرانها يبلي، ولقيانها يشفي1

قد علم أن المعنى: إذا بعدت عني أبلتني، وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك، ويوجب أطراحه. وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه، وكأنه كالطبيعة فيه، وكذلك حال الشفاء مع القرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بعادها؟ هو الداء المضني وما قربها؟ هو الشفاء والبرء من كل داء. ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة، إلا بحذف المفعول البتة، فاعرفه.

vol. 1 · p. 162

وليس لنتائج هذا الحذف، أعني حذف المفعول، نهاية، فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة، وإلى لطائف لا تحصى.

نوع آخر، وهو: "الإضمار على شريطة التفسير" ومثاله

وهذا نوع منه آخر: اعلم أن ههنا بابا من الإضمار والحذف يسمى "الإضمار على شريطة التفسير"، وذلك مثل قولهم: "أكرمني وأكرمت عبد الله"1، أردت: "أكرمني عبد الله، وأكرمت عبد الله"، ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني. فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر، وشيء لا يعبأ به، ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة، ما لا تجده إلا في كلام الفحول.

فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري:

لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد2

الأصل لا محالة: لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، ثم حذف ذلك من الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة، وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلى اللفظ. فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت: "لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها"، صرت إلى كلام غث، وإلى شيء يمجه السمع، وتعافه النفس. وذلك أن في البيان،

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE