52
vol. 1 · p. 135
الشك، وذاك أنه إنما يقول هذا من ظن أنه يصادفه في منزله، وأنه يصل إليه من قبل أن يركب1.
فإن قلت: فإنك قد تقول: "جئته وقد ركب" بهذا المعنى، ومع هذا الشك.
2 فإن الشك لا يقوى حينئذ قوته في الوجه الأول، أفلا ترى أنك إذا استبطأت إنسانا فقلت: "أتانا والشمس قد طلعت"، كان ذلك أبلغ في استبطائك له من أن تقول: "أتانا وقد طلعت الشمس؟ " وعكس هذا أنك إذا قلت: "أتى والشمس لم تطلع"، كان أقوى في وصفك له بالعجلة والمجيء قبل الوقت الذي ظن أنه يجيء فيه، من أن تقول: "أتى ولم تطلع الشمس بعد".
هذا، وهو كلام لا يكاد يجيء إلا نابيا، وإنما الكلام البليغ هو أن تبدأ بالاسم وتبني الفعل عليه كقوله:
قد أغتدي والطير لم تكلم3
فإذا كان الفعل فيما بعد هذه الواو التي يراد بها الحال، مضارعا، لم يصلح إلا مبنيا على اسم كقولك: "رأيته وهو يكتب"، و "دخلت عليه وهو يملي الحديث"4، وكقوله:
53
vol. 1 · p. 136
تمزرنها والدين يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا1
ليس يصلح شيء من ذلك إلا على ما تراه، لو قلت: "رأيته ويكتب" و "دخلت عليه ويملي الحديث"، و "تمززتها ويدعو الديك صباحه"، لم يكن شيئا.
ومما هو بهذه المنزلة في أنك تجد المعنى لا يستقيم إلا على ما جاء عليه من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196]، وقوله تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5]، وقوله تعالى: {وحشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون} [النمل: 17]، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لاو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم فقيل: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين}، و {اكتتبها فهي تملى عليه}، و {وحشر لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون}، لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.