49
vol. 1 · p. 131
فإن قلت: فمن أين وجب أن يكون تقديم ذكر المحدث عنه بالفعل، آكد لإثبات ذلك الفعل له، وأن يكون قوله: "هما يلبسان المجد"1، أبلغ فى جعلهما يلبسانه من أن يقال: "يلبسان المجد"؟
فإن2 ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرى من العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه، وإذا كان كذلك، فإن قلت: "عبد الله"، فقد أشعرت قبله بذلك أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث فقلت مثلا: "قام" أو قلت: "خرج"، أو قلت: "قدم" فقد علم ما جئت به وقد وطأت له وقدمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقلبه قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولك لا محالة أشد لثبوته، وأتقى للشبهة، وأمنع للشك، وأدخل في التحقيق.
وجملة الأمر أنه ليس إعلامك الشيء بغتة غفلا، مثل إعلامك له بعد التنبيه عليه والتقدمة له، لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام في التأكيد والإحكام. ومن ههنا قالوا: إن الشيء إذا أضمر ثم فسر، كان ذلك أفخم له من أن يذكر من غير تقدمة إضمار3.
ويدل على صحة ما قالوه أننعلم ضرورة في قوله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار} [الحج: 46] فخامة وشرفا وروعة، لا نجد منها شيئا في قولنا: "فإن
51
vol. 1 · p. 132
الأبصار لا تعمى"، وكذلك السبيل أبدا في كل كلام كان فيه ضمير قصة. فقوله تعالى: {إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون: 117]، يفيد من القوة في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: "إن الكافرين لا يفلحون"، لم يستفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلا أنك تعلمه إياه من بعد تقدمة وتنبيه، أنت به في حكم من بدأ وأعاد ووطد، ثم بنى ولوح ثم صرح1. ولا يخفى مكان المزية فيما طريقه هذا الطريق.
تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر:
ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر وتحقيقه له، أنا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر، نحو أن يقول الرجل: "ليس لي علم بالذي تقول" فتقول له: "أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، ولكنك تميل إلى خصمي" وكقول الناس: "هو يعلم ذاك وإن أنكر، وهو يعلم الكذب فيما قال وإن حلف عليه" وكقوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75، 78]، فهذا من أبين شيء. وذاك أن الكاذب، لا سيما في الدين، لا يعترف بأنه كاذب، وإذا لم يعترف بأنه كاذب، كان أبعد من ذلك أن يعترف بالعلم بأنه كاذب.
أو يجيء فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول الرجل: "كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك"، فيقول: "أنا أعلم، ولكني أداريه".