Skip to content

Books to be read, not browsed

38 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 107 of 670.

38

vol. 1 · p. 108

وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في "الحذف والتكرار" و "الإظهار والإضمار"، و "الفصل والوصل"، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك.

لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها، وصد بأوجههم عن الجهة التي هي فيها1، والشق الذي يحويها. والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة، وهذه من أعجبها، وإن وجدت متعجبا.

وليت شعري، إن كانت هذه أمورا هينة، وكان المدى فيها قريبا والجدى يسيرا2، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ وبم عظم التفاوت، واشتد التباين، وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ أو ههنا أمور أخر نحيل في المزية عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها؟ أو ليس هذا التهاون، إن نظر العاقل، خيانة منه لعقله ودينه، ودخولا فيما يزري بذي الخطر، ويغض من قدر ذوي القدر؟ وهل يكون أضعف رأيا، وأبعد من حسن التدبر، منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في "أأنذرتهم"3، والإمالة في "رأى القمر" وتعرف "الصراط"

vol. 1 · p. 109

و "الزراط"1، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة2، ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكا، ولا يغلق دونك باب معرفة، ولا يفضى بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطإ في تأويل، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك، ويطيل لسان القادح فيك3 ولا يعنيك ولا يهمك أن تعرف ما إذا جهلته عرضت نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، وكان أكثر كلامك في التفسير، وحيث تخوض في التأويل، كلام من لا يينى الشيء على أصله، ولا يأخذه من مأخذه، ومن ربما وقع في الفاحش من الخطإ الذي يبقى عاره، وتشنع آثاره. ونسأل الله العصمة من الزلل، والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل.

الخطأ في تقسيم التقديم والتأخير، إلى مفيد وغير مفيد:

واعلم أن من الخطإ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل مفيدا في بعض الكلام، وغير مفيد في بعض وأن يعلل تارة بالعناية، وأخرى بأنه توسعة على الشاعر، والكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه. ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام، أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال. ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء،

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE