Skip to content

Books to be read, not browsed

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 918 of 1,926.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

vol. 2 · p. 425

التعميم والإحاطة حتى كأنه قيل: وما من دابة من جميع ما في الأرض وما من طائر في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها

ويحتمل أن يقال: إن الطيران لما كان يوصف به من يعقل كالجان والملائكة فلولم يقل: {بجناحيه} لتوهم الاقتصار على حبسها ممن يعقل فقيل: {بجناحيه} ليفيد إرادة هذا الطير المعتقد فيه عدم المعقولية بعينه

وقيل: إن الطيران يستعمل لغة في الخفة وشدة الإسراع في المشي كقول الحماسي:

*طاروا إليه زرافات ووحدانا*

فقوله: {يطير بجناحيه} رافع لاحتمال هذا المعنى

وقيل لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: {وما من دابة في الأرض ولا طائر} لكان ظاهر العطف يوهم ولا طائر في الأرض لأن المعطوف عليه إذا قيد بظرف أو حال يقيد به المعطوف وكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه كالدجاج والإوز والبط ونحوها فلما قال: {يطير بجناحيه} زال هذا الوهم وعلم أنه ليس بطائر مقيد إنما تقيدت به الدابة

وأما قوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} مع أن المعلوم أن الفساد

النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة

vol. 2 · p. 426

لا يقع إلا في الأرض قيل في ذكرها تنبيه على أن المحل الذي فيه شأنكم وتصرفكم ومنه مادة حياتكم -وهي سترة أموالكم- جدير ألا يفسد فيه إذا محل الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محل الإفساد

وهذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة: {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} لأن المراد نفي النصير عنهم في جميع الأرض فلو لم يذكر لاحتمل أن يكون ذلك خاصا ببعضها

وأما قوله تعالى: {ذلك قولهم بأفواههم} وقوله تعالى: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} وقوله تعالى: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ونحوها من المقيد -إذ القول لا يكون إلا بالفم والأكل إنما يكون في البطن- ففوائده مختلفة

فقيل: {بأفواههم} للتنبيه على أنه قول لا دليل عليه بل ليس فيه إلا مجرد اللسان أي لا يعضده حجة ولا برهان وإنما هو لفظ فارغ من معنى تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدل على شيء مؤثر لأن القول الدال على معنى قول بالفم ومؤثر في القلب وما لا معنى له مقول بالفم لا غير أو المراد بالقول المذهب أي هو مذهبهم بأفواههم لا بقلوبهم لأنه لا حجة عليه توجب اعتقاده بالقلب

وقيل: إنه رافع لتوهم إرادة حديث النفس كما في قوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم}

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE