Skip to content

Books to be read, not browsed

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 854 of 1,926.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

vol. 2 · p. 361

ومنها: التغليب كقوله تعالى: {إن كنتم في ريب من البعث} وقوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} فاستعمل "إن" مع تحقق الارتياب منهم لأن الكل لم يكونوا مرتابين فغلب غير المرتابين منهم على المرتابين لأن صدور الارتياب من غير الارتياب مشكوك في كونه فلذلك استعمل "إن" على حد قوله: {إن عدنا في ملتكم}

واعلم أن "إن" لأجل أنها لا تستعمل إلا في المعاني المحتملة كان جوابها معلقا على ما يحتمل أن يكون وألا يكون فيختار فيه أن يكون بلفظ المضارع المحتمل للوقوع وعدمه ليطابق اللفظ والمعنى فإن عدل عن المضارع إلى الماضي لم يعدل إلا لنكتة كقوله تعالى: {إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون} فأتى الجواب مضارعا وهو "يكونوا" وما عطف عليه وهو "يبسطوا" مضارعا أيضا وأنه قد عطف عليه "ودوا" بلفظ الماضي وكان قياسه المضارع لأن المعطوف على الجواب جواب ولكنه لما لم يحتمل ودادتهم لكفرهم من الشك فيها ما يحتمله أنهم إذا ثقفوهم صاروا لهم أعداء وبسطوا أيديهم إليهم بالقتل وألسنتهم بالشتم أتى فيه بلفظ الماضي لأن ودادتهم في ذلك مقطوع بها وكونهم أعداء وباسطي الأيدي والألسن بالسوء مشكوك لاحتمال أن يعرض ما يصدهم عنه فلم يتحقق وقوعه

وأما "إذا" فلما كانت في المعاني المحققة غلب لفظ الماضي معها لكونه أدل على الوقوع باعتبار لفظه في المضارع قال تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن

vol. 2 · p. 362

تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} بلفظ الماضي مع "إذا" في جواب الحسنة حيث أريد مطلق الحسنة لا نوع منها ولهذا عرفت تعريف العهد ولم تنكر كما نكر المراد به نوع منها في قوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} وكما نكر الفعل حيث أريد به نوع في قوله تعالى: {ولئن أصابكم فضل من الله} وبلفظ المضارع مع إن في جانب السيئة وتنكيرها بقصد النوع

وقال تعالى: {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} لفظ الماضي مع "إذا" والمضارع مع "أن" إلا أنه نكرت الرحمة ليطابق معنى الإذاقة بقصد نوع منها والسيئة بقصد النوع أيضا

ومن ذلك قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} أتى ب "إذا" لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله تعالى: {لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط} فإنه لم يقيد مس الشر ها هنا بل أطلقه

وكذلك قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا} فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الضر له فكان الإتيان بإذا أدل على المقصود من أن بخلاف قوله تعالى: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} فإنه لقلة صبره وضعف احتماله في موقع الشر أعرض والحال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يئوسا وأما قوله: {إن امرؤ هلك} مع أن الهلاك محقق لكن جهل وقته فلذلك جيء بإن

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE